السبت، 29 أغسطس 2009

طريق التنوير

هل تذكرون عندما قلت لكم في مقال سابق أني كدت أبتسم من حديث شيخنا الزنداني؟

قلت لكم: “كدت أبتسم”.

لم أقل: “ابتسمت من حديثه”، بل قلت “كدت”،

و”كدت” تضفي على الفعل بعداً غير كامل.

وكان اختياري للفظ متعمداً.

لم أبتسم ساخرة لسبب بسيط هو إدراكي أن ما يقوله الشيخ الزنداني يلقى صدى شعبياً واسعاً.

فكر الشيخ السلفي، وهو فكر ظلامي يعيدنا قهراً إلى قرون ماضية، لا يؤمن بالإنسان، ولا يحترم إرادته، كما لا يؤمن بقبول الغير أياً كان هذا الغير، ناهيك أنه لا يقبل بالمرأة إلا إذا كانت مكفنة، تسمع وتطيع، ولا تملك قرار نفسها، هذا الفكر يتفشى ويلقى القبول على أرض الواقع من قطاعات واسعة من مجتمعنا.

وهذه القطاعات الشعبية لا تفعل ذلك لأنها تريد أن تكون ظلامية التفكير.

أغلبُها يعيش على سليقته،

أغلبُها طيب القلب.

تفعل ذلك لأنها تعتقد أن ما يقوله الشيخ من الدين.

تعتقد ذلك جازمة.

وشعوبنا، يمنية كانت أم عربية، ضعيفة أمام من يرسل لحيته، ويتحدث باسم الدين، ترتعش أمامه، وتنتظر الكلمات أن تخرج من بين شفتيه كي تصدق.

شعوبنا تحب الله،

تبحث عنه بصدق،

وتريد أن ترضيه،

الله لا الشيخ،

ومادام الشيخ يقول “هكذا قال الله”، أفلا يجب عليها السمع والطاعة؟

هل نلومها هي؟

بل نلومه هو، ونواجه فكره، ذاك الذي ينشره بأموال كثيرة وعزيمة لا تكل.

هي معركة فكرية، نتائجها ستحدد من نكون، وما نكون.

لكن كيف ندخلها؟

هذا هو السؤال، وهو سؤال كما لا يخفى عليكم سبق أن طرحه على أنفسهم أسلاف لنا في القرن التاسع عشر، وحاول البعض الرد عليه في بدايات القرن العشرين، ثم انقطعت ألسنتهم، فلم نسمع لهم حساً بعد ذلك.

لكنه سؤال لا نستطيع أن نتفاداه أكثر من ذلك.

سؤال أصبح الرد عليه واجب، لأنه ببساطة سيحدد مصيرنا “إما أن نكون أو لا نكون”.

والرد عليه يستلزم أن نضع أصبعنا على موطن الجرح، وجرحُنا في الوطن!

الوطن لا غيره.

مشكلة الوطن أنه لم يكن ابدأ وطناً لنا.

كان ولا يزال وطناً أعرج، يمشي بين بين، لا يحمي حقوق مواطنيه، لا يسعى إلا متعباً إلى تنمية واقع مجتمعه، ولا يعبر في الواقع إلا عن طموحات أقلية، تبتلع ثرواته ولا تترك للغالبية إلا الرذاذ.

وطن أعرج.

نمشي معه خائفين.

نمشى معه غير آمنين.

نمشي ونحن ندعوه أن يرحم، فلا يرحم.

لم يعرف أبداً النهضة التي كان الحالمون يمنون أنفسهم بها.

لم يعرف أبدأ الإصلاح كما أراده المصلحون.

لم يعرفها لأنها ببساطة عندما بدأت أجُهضت!

بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع شيوخ من أمثال الشيخ محمد عبده ومفكرين من أمثال طه حسين، حاولوا أن يضعوا أسساً جديدة لفكر عقلاني.

ثم لم يكملوا حديثهم.

صمتوا.

أو أصُمتوا.

مد الفكر “القومي” كان كاسحاً.

هديراً أصم الآذان.

فكر يقوم على مبدأ “عرقي”، يقول ب”عروبة” مواطنيه، شاءوا أم أبوا، ويفرضها عليهم كأساس للمواطنة.

لم يؤمن بالحرية، ولم يؤمن بالإنسان.

بل آمن بنفسه.

فصدقته الشعوب فرحة.

كان زمن الأحلام. هل نسيتم؟

نحلم حتى وإن كان الحلم ضريراً..

“سنكون شعباً واحداً، ونحيا رافعي الرأس، ونحتل موقعنا من جديد بين الأمم الراقية”، هكذا كان الحلم.

لكنه كان حلم هرولة.

لم ينجح في الواقع إلا في تأصيل نمط الاستبداد في أنظمتنا السياسية. تحولت كلها إلى ملكيات، جمهورية كانت أو وراثية.

يا خيبة الإنسان.

وخرجنا من مرحلته لاهثين، مذهولين، صفر الأيدي.

وأفقنا على فراغٍ سارع الإسلامُ السياسي إلى ملئه.

اليوم ومع انتشار مد الإسلام السياسي نستشعر وخز الفراغ الذي نعايشه فكراً.

نستشعره لأن فكر النهضة الذي كان يجب أن يُترك لمساره كي يتطور أُجهض.

جنين لم يكتمل.

وطننا لا زال مسخاً مشوهاً لا يعرف ما هويته.

وطننا لا زال أعرجاً، يمشي بين بين، لا هو مدني ولا هو ديني.

وطننا لا زال يبحث عن الفكر الذي يؤسس لوجوده.

وشعوبنا ممزقة تريد أن تحيا، ولا ترى أمامها إلا فكراً يدعوها إلى الموت وهي حية.

وواجبنا أن نقدم لها البديل.

والبديل لا يمشي أعرجاً.

بل على قدمين.

مساران متزامنان يلتقيان ليقدما البديل.

الأول يستلزم فرضاً فصل الدين عن الدولة.

كي تكون دولتنا مدنية، محايدة، قادرة على حماية حقوق مواطنيها، كي تتعامل معهم على قدم المساواة، يجب أن تكون علمانية.

فالدولة ليست كياناً إنسانياًً كي نقول “دين الدولة هو الإسلام”، بل مؤسسة هدفها حماية حقوقنا.

تمعنوا في الكلمات.

مؤسسة وهدفها حماية حقوقنا.

وكي تحمينا عليها أن تتعامل معنا من موقع محايد.

مطلبٌ لا يعيب.

ليس فيه ما يُخجل.

لأنه ببساطة يعيد الدين إلى موضعه الطبيعي، إلى الحيز الشخصي.

تؤمن به أو لا تؤمن، ذاك شأنك الخاص.

والدولة تحمي حقك في أن تكون كما تشاء.

ذاك المسار الأول.

المسار الثاني يوفر الأساس الفكري للأول، فهو الذي سيحدد مصيرنا في الواقع، بدونه لن يكون للأول معنى.

بدونه سيتكرر ما حدث في تونس، فهي علمانية لكنها مستبدة رغم ذلك.

والسبب ببساطة أن نمط الاستبداد، الأصيل في أنظمتنا، قائم جوهراً على تراثنا الفكري الذي ظل عصياً على النهضة.

لا يكفي أن تعمد إلى فصل الدين عن الدولة، ثم تؤسس كيانك المجتمعي في الوقت ذاته على فكر ديني لم تمسه يد الإصلاح.

إصلاح الدين هو المسار الثاني.

وإصلاحه يجب أن يكون جوهرياً.

يدخل إلى اللب.

لا يكتفي بالقشور.

لا يكتفي بالترقيع والترميم.

بل يبدأ بطرح الأسئلة الجوهرية.

يبدأ بالبحث في طبيعة النص الديني نفسه، قرآنيا كان أم سنياً، والفصل بينه وبين الإيمان بالله، كي نتمكن من دراسته والبحث فيه ضمن إطاره التاريخي، دون خوف، دون رعب، ودون شبح التخويف بأننا ننال من المقدس.

لا إصلاح حقيقي للدين دون مواجهة هذا البعبع.

بدونه لن نتمكن من وضع أساس فكري جديد يحترم الإنسان وإرادته.

بدونه نظل نلف وندور حول أنفسنا، كما نفعل منذ قرون، نخشى أن نواجهه، ونفسح في الوقت ذاته المجال للفكر الديني السلفي، بكل جهله وخرافاته، كي يزيحنا هو من وجهه، ويستفرد بالعقول.

وقد كاد أن يفعل.

و”كاد” يضفي على الفعل بعداً غير كامل!

وطن أعرج،

وبعبع يخيفنا جميعاً.

الوطن نبنيه كي نتنفس فيه،

والبعبع نصرخ فيه “لست سوى بعبع” رغم الفزع.

نسعى إليهما حافين،

نسعى إليهما مخلصين،

بالعقل، بالفكر، وبالكلمة،

كي نحيا،

كي نحيا،

ولو بعد قرون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق