الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

"اليمن تِشْتي من يحبها!"

هذا المقال تُرجم إلى الألمانية ونشر في الدورية الأدبية مجلة لسان رقم 13/14  لعام 2012
http://www.lisan.ch


"اليمن تِشْتي من يحبها!"[1]

لا. لم أستغرب. فهل استغربتما؟[2]
لم أستغرب عندما هبت انتفاضة الشباب والشابات في فبراير 2011 في اليمن. في الواقع كان أمرأ متوقعاً. مسألة وقت لا غير.
من لا يثور وهو يعيش في اليمن؟
في بلد تَدهس فيه سيارة عابرة مسرعة طفلاً، فيموت الطفل، ويبتسم الجاني، والدولة تتثاءب وهي تطبطب على ظهر الجاني، ابن المتنفذ، شيخاً كان أو عسكرياً.
دموع أسرة الطفل تحترق في أفئدتها، والجاني يسرع من جديد بسيارته.
 كم من جاني أبتسم في اليمن؟ كم من حقوق واراض نُهبت؟ والدولة تُصفر، كأنها غير معنية بإحقاق العدل.
وفي بلد يعز فيه على الفقير أن يمد يده للتسول، فيموت وأسرته،  قليلاً، كل يوم من الجوع.  كم من إسر تتضور جوعاً في صنعاء وعدن؟ نحو نصف سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر.
تحت خط الفقر.
وقلة، قلة لا تزيد عن خمسة في المائة من الشعب، وضعت يدها على الدولة ومواردها، تنهل منها كأنها عزبة أبوها.
 والغريب أنها لم تشبع أبدأ. الغريب أنها لم تستحِ.
لم تكن دولة.
بل ثعبان. كذاك الذي كانت تحكي عنه خالة أبي. عن السلطان الثعبان.[3]
ثعبان، فمه واسع كالدنيا، بطنه كبير... وجوفه بلا قاع. ينهش ولا يترك لمن حوله سوى الفتات.  
أما الإنسان، الإنسان وصوته، كان دوماً غائبا صامتاً في اليمن.
كأنه لا شيء.
فتله، بعوضه، أو نكره.
هل نستغرب إذن إذا هبت انتفاضة مطالبة بالتغيير؟
 لا.
مثل هذا البلد هو رّحْم للثورة. منبعها.
لم نكن في الواقع في حاجة إلا إلى شرارة، تشعل الغضب الكامن في صدورنا، كي نطالب بالتغيير. والشرارة حملتها رياح التغيير في تونس ومصر.
أعود وأكرر، ليس هذا ما فاجأني.
ما أدهشني في الواقع هو ذلك الإيمان الراسخ لدى الشباب والشابات، ممن إلتقيت بهم/ن في ساحة التغيير بصنعاء في 28 فبراير 2011 ، إيمانهم وإيمانهن بإمكانية التغيير في اليمن.
لم تكن دهشة فحسب. كنت مبهوتة، مأخوذة، مبتهجة،  كأني أرى العنقاء تخرج من بين الرماد فجأة!
الا يحق لي أن أفرح بعد أن كففت عن الأمل في وجودها؟
-----
لم يكن وجودي في ساحة التغيير متعمداً.
 في الواقع لم اكن اتوقع السفر في تلك الفترة خاصة مع بدء الفصل الدراسي في جامعة زيوريخ حيث أعمل كأستاذة  مشاركة.
لكنه أبي. كان غريباً وفيلسوفاً في حياته، تماماً كما في مماته.
هل كانت صدفة أن يتوفى أبي في نهاية شهر فبرير من عام 2011؟ في الثاني والعشرين من فبراير تحديداً.
كان قد تعب من الحياة، و يريد أن يموت، لكنه ينتظر.
 ينتظر حصولي على درجة أستاذ مشارك. وقالها لي أكثر من مرة: "متى تحصلين على الدرجة كي أرحل". وكنت ارد عليه:" لن احصل عليها ما دمت تريد أن تموت بعدها"، فيبتسم متعباً.
ثم حصلت عليها بالفعل بعد مناظرة شفهية أمام مجلس كلية الفلسفة في 17 ديسمبر من عام 2010! في نفس اليوم الذي اشعل فيه محمد بوعزيزي نفسه ناراً امتدت إلى ارجاء المنطقة.
 في نفس اليوم!
اليس ذلك غريباً.
عندما أنهيت المناظرة، كان أول من أتصلت به. أبي. قلت له على الخبر. فتنهد. كان فرحاً. لكني عرفت لحظتها أنه سيتركني.
مسألة وقت لا غير.
ولأنه كان دائماً يقول لي إن "اليمن تِشْتي (تريد أو تحتاج إلى) من تحبها". ولأنه بحث عبثاً عمن يحبها، وظل محسوراً عليها، كان طبيعياً ان يرحل في وقت مخاضها.
كأنه تعمد أن يُجبرني أنا وأخي على ترك المهجر والعودة إلى الوطن من جديد، كي لا يفوتنا المخاض. تعمد أن يموت كي نأتي!
ولأننا دفناه معاً، أخي وأنا، وكنت أول امرأة يمنية تصلي وتدفن أبيها مع الرجال،[4] كان طبيعياً أيضاً أن أذهب بعد ذلك إلى ساحة التغيير.
 كي لا يكون موته هباءاً.  كي لا يكون موته كموتِ الإنسان عبثاً.
وهناك، وأنا أتنسم روح هذه الانتفاضة، وجدت شيئاً كنت قد فقدته منذ زمن بعيد: الأمل.
الأمل.
وجدت الأمل في ساحة التغيير!
-----
أنتمي إلى جيل كان قد فقد الأمل في اليمن. فقد الأمل في أن يكون جزءا من الوطن دون أن يخسر نفسه او عقله.
ولذا لم يكن غريباً أن اشد رحالي إلى المهجر،  أبحث هناك عن مستقبل لم أجده في الوطن.  ولم أندم يوماً على قراري هذا.
ثم التقيت شباب وشابات التغيير. نوع اخر. جيل جديد. جيلٌ معجون بالأمل. بالأمل، تخيلا؟
يؤمن بالمواطنة. يمني، يمنية، فحسب.
لا يقسمهم إلى زيدي، شافعي، شمالي، جنوبي، أخدام، هاشمي، أو قحطاني، أو يهودي.
مواطن، مواطنة، يمني يمنية، فحسب.
يؤمن بالإنسان،  بمقدرته على التغيير، ويبحث عن المستقبل، هنا ، هنا في اليمن، لا في المهجر.
" نريد أن نكون".
سمعتها منهم، سمعتها منهن. فصدقت.
كانت الساحة حينها بوتقة، جمعت بين الرجل والمرأة، القبلي وأبن المدينة، الشمالي والجنوبي وأبن المناطق الوسطى، الحوثي الهاشمي والقحطاني، والمهمش. كانت الساحة يمن مصغر، أجتمع على كلمة واحدة، أسمها التغيير.
يا الله، كم فرحت، رغم غصة أبي.
يا الله، أي نسيم عذب استنشقته حينها؟
آمنت حينها أن التغيير ممكن بهذا الجيل. التغيير ممكن بهذا الجيل.
وتركت اليمن بعدها وأنا فرحة.
ووالله أني تركتها لأول مرة وأنا حزينة، لا أريد أن أتركها، روحي فيها، لكن حياتي وأسرتي في وطني الثاني، سويسرا. فما العمل؟ بيد أني كنت واثقة أني اتركها في أيادي آمينة.
 جيلٌ يحب اليمن.  
نعم. كنت واثقة من ذلك.
-----
تسألاني كيف أشعر اليوم؟
اليوم وأنا أستحضر كلماتهن وكلماتهم، اشعر بغصة.
بين مايو 2012 وفبراير 2011 حدث الكثير. حدثت مجزرة التغيير في الثامن عشر من مارس 2011، عندما اطلق القناصون النار على شباب الساحة، فقتل اكثر من خمسين شخص. حدث أن بعضاً من النخبة الحاكمة، انتهز الفرصة، وقفز على عربة التغيير، وأعلن دعمه لها. لم يكن دعماً دافعه التغيير. بل تصفية حسابات مع شركاء الأمس. فأصبحت الانتفاضة نصف إنتفاضة،  تُصفق لمن كان جزءاً من المشكلة.
 حدث أن الحراك الجنوبي والحركة الحوثية شعرا بالتهميش، فتركا الساحة. وحدث أن إنهالت الخناجر على تعز الثورة. فغاب معهم ثلاثة أرباع الوطن! أين وجوه هؤلاء في التغيير القادم؟
والأهم ان الحلم، حلم الإنسان، الإنسان اليمني، رجلاً وامرأة، بكل طوائفه ومناطقه وانتماءاته، في دولة مدنية تحترم هذا الإنسان، وتتعامل معه على قدم المساواة،  هذا الحلم بدأ يتبعثر.
بدا يتبعثر مع تجاوزات حدثت في الساحة الميدانية، قرعت على أذاننا كالطبول. وكل من رفع صوته أو صوتها معترضاً، صرخوا في وجهيهما قائلين: "لا صوت يعلو فوق صوت الثورة!"[5]  
حقا؟
-----
تذكرت حينها ما قيل لأبي في جيله، عندما قامت ثورات التحرير في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. هو أيضاً وجيله سمع نفس العبارة: "لا شيء يعلو فوق صوت الثورة“.
والثورة حينها كانت تَعدُ أبناءَها (لا بناتها) بالتنمية، بالتقدم، بالعدالة، والاشتراكية  في صورها المتعددة. 
قِيل لجيل أبي: "لا شيء يعلو فوق صوت المعركة“. 
والمعركة حينها كانت ضد دولة إسرائيل. 
وِقيل لجيل أبي: "الوقت ليس مناسباً لترف الديمقراطية، وخلافات الأحزاب. الوقت وقت تنمية، الوقت وقت معركة“. 
وجيلُ أبي كان حالماً محباً للوطن هو الأخر. فصّدق، وليته لم يصدق. 
مات أبي منتظراً. ينتظر أن تأتي تلك التنمية، أن تحسم تلك المعركة، وأن تتحقق تلك العدالة والرفاهية.
فمات الرجل محسوراً.
أنسحب من الحياة، لكنه غرس بذرتها في نفسي وأخي، ولم ييأس. بقي الحلمُ نابضاً في قلبينا من بعده. [6] 
-----
وعاد الحلم إلي من جديد، ظننت أني اراه من جديد، يُبعث إلى الحياة كالعنقاء، بعد ما حدث في فبراير 2011.
لكني تنبهت مبكراً إلى أن الحلم إذا لم يكن جوهره الإنسان، يتحول إلى كابوس.
الحلم إذا لم يكن جوهره الإنسان، يتحول إلى كابوس.
لو أردتما الصدق، بدأت اشك أن الانتفاضة تأخذ مساراً مختلفاً عندما زار الشيخ عبدالمجيد الزنداني، شيخ السلفيين في اليمن، والأب الروحي لأسامة بن لادن (باعترافه هو)، الرجل الذي يؤيد زواج الطفلات، عندما زار نفس هذا الرجل، ساحة التغيير في الثاني من مارس 2011 معلناً تأييده للثورة!
بالله عليكما، أي تغيير يمثله هذا الشيخ وهو يدعو إلى خلافة إسلامية، و يقف جهاراً ضد قيام دولة ديمقراطية مدنية تساوي بين مواطنيها ومواطناتها؟
ثم تحول الشك إلى ظن راجح عندما سيطر أتباع الشيخ وبعض النشطاء الإسلاميين على الساحة وبدأوا في فصل قسري بين النشطاء والناشطات.
وتحول الظن إلى يقين يوم 16 أبريل 2011 عندما تعرضت للضرب والإهانة في الساحة الناشطة والكاتبة اليمنية المعروفة أروى عثمان ومعها 18 من الناشطين والناشطات المدنيين، ممن أصروا واصررن على أن التغيير يبدأ بالمرأة.
إذا كنا سنقصيها من الآن باسم قراءة دينية متشددة، فعن أي ثورة نتحدث إذن؟
ثم تحول اليقين إلى استياء ممتعض مع المبادرة الخليجية مايو 2011، التي بحثت عن مخرج لأزمة اليمن، ولم تتمكن حتى الآن من إيجاد حل لجذورها.
-----

تسألاني هل فقدتي الأمل؟
سؤال صعب.
أدرك أن إخراج الرئيس من السلطة لا يعني أن هذه السلطة قد تغيرت.
النظام يبدو لي قائماً بأركانه.
أدرك أيضا أنه إذا لم تكن الدولة الجديدة وطناً لجميع مواطنيها ومواطناتها، بغض النظرعن المذهب، الدين، الجنس، المنطقة، اللون، اللغة أو العرق؛ إذا لم يتم فيها تداول السلطة بشكل سلمي، تشارك فيها كل القوى السياسية والمجتمعية، وتحترم مبدأ حرية الرأي والمشاركة السياسية لمواطنيها، وتُوفر مبدأ المحاسبة لمسؤوليها، تماماً كما توفر لمواطنيها حياة كريمة، إذا لم يحدث هذا  فلن تكون إلا تكراراً لأنظمتنا السابقة.
وأصّر أنه إذا لم يكن التغيير معنيا بحقوق المرأة واحترامها، فإنه ببساطة لن يكون إلا تكراراً لثورات الماضي الحزينة، وسنعود من جديد إلى مربع الصفر.
تماماً كما أعرف أن اليمن تقف على حافة هاوية، قد تجرفها إلى الانهيار، أو تجرها إلى مفترق طريق.
كل هذا أعرفه.
وفي الواقع أشك أن صورة التغيير التي تتشكل الآن ستحقق لنا حلم الوطن بالصورة التي عبرت عنها في الكلمات السابقة.
لكني أدرك أيضاً أن التغيير لم يكن أبداً سهلاً.
منذ متى كان التغيير سهلاً؟
تماماً كما أن الأحلام العظيمة لا تتحقق بين ليلة وضحاها.  تحتاج إلى وقت، أجيال في الواقع، وتحتاج إلى جهد، تماماً كما تحتاج إلى الإنسان. الإنسان، ذلك الذي يَقُدر على الحلم.
ربما لذلك يأتي ردي على سؤالكما غريباً غيرَ منطقي.
في الواقع، انا لم أفقد الأمل بعد!
نعم لم أفقد الأمل.
ورغم غرابة هذا الرد إلا أني مقتنعة به.
لا لثقتي في طبيعة التغيير القادم. ليس فعلا.
 بل لثقتي في إرادة هذا الإنسان.
 إذا اراد هذا الإنسان، يمكنه أن يصنع التغيير.
نحن من يصنع التغيير.
لا أحد غيرنا.
ولأن الجيل الذي ألتقيت بعضاً من شبابه وشاباته في ساحة التغيير، لازال يؤمن بإمكانية التغيير، أتمسك أنا الأخرى بالأمل.
أملى في الواقع هو في هذا الجيل. فمعه وجدت اليمن بالفعل من يحبها.  
-----
"حُلمي فيَّ حتى لو تعثرت.
أملي في يقيني حتى مع الشك. ووطني أنا ولو أنهار الوجودُ من حولي.
وطني حيثُ أكون،
وطني حيثُ أتنفس،
وطني الإنسان."[7]






[1] تشتي باللهجة الصنعانية تعني: تريد أو تحتاج إلى
[2] أوجه خطابي عادة إلى القارئ والقارئة. ولذا أستخدم صفة المثنى
[3] إلهام مانع، صدى الأنين، بيروت: دار الساقي، ص. 177.
[4]إلهام مانع، "يوم دفنت أبي ... مع أخي"، شفاف، 8 سبتمبر، 2011، http://www.metransparent.com/spip.php?page=article&id_article=16038&var_lang=ar&lang=ar
[5] إلهام مانع، "لا صوت يعلو فوق صوت الثورة!.حقاً؟"، شفاف، 5 أبريل 2011، http://www.metransparent.com/spip.php?page=article&id_article=13782&var_lang=ar&lang=ar
[6] نفس المصدر.
[7] إلهام مانع، صدى الأنين، ص. 190.

عن الآيزيدية 2


قلت لكما أن سلاحي هو الكلمة والفكرة.
ولذلك عندما أتحدث عن الاستعمار الديني الجديد/القديم لا أنسى تاريخنا. كي نبني مستقبلاً علينا أن نراجع الماضي.
نراجعه ونقيمه. ثم نتعامل معه.
ولذلك ارفض قراءة التاريخ بصورة انتقائية.
عندما نتحدث عن الأقليات في مجتمعاتنا سيكون من الضروري ان نراجع ما حدث لها كي نواجه واقع غياب المواطنة المتساوية في بلداننا.
سيكون من الضروري فعل ذلك كي نتمكن من بناء مجتمعاتنا من جديد.
كي لا نعيد التاريخ مكرراً، مضرجاً بالتمييز.
ولذا لن أزيفَ التاريخ.
بل انظر إليه كما هو.
اسرده عليكما.
كي ندرك أننا لسنا "الضحية" كما يصر الإسلام السياسي.
بل كنا في اوقات كثيرة "جناة".
وما حدث للأقلية الآيزيدية مثال على ذلك.
هل تذكرونها؟
------
لو قرأنا تاريخ هذه الأقلية من منظورها، سنجد أنهم يشيرون إلى نحو اثنان وسبعون حملة إبادة تعرضوا إليها عبر القرون الزمنية المنصرمة.
  أقول "نحو" لأن هناك بعض الباحثين، كأمين فرحان جيجو (مؤلف كتاب "القومية الآيزيدية: جذورها، مقوماتها ومعاناتها، الذي نشر ببغداد عام 2010)  يشير إلى أن العدد أكبر من هذا بكثير.
ولو قرأنا هذا التاريخ من منظورها، سنفهم لماذا كانت كلمة فرمان التركية تثير الرعب والفزع في قلوبها.
كلمة فرمان هي كلمة تركية تعني "القرار".
والأقلية الآيزيدية كانت تستخدم هذه الكلمة كمرادف لحملات الإبادة التي تعرضت لها بقرارات من السلاطين الأتراك في إسطنبول، والتي اباحت بموجبها قتل وذبح الأقلية الآيزيدية.
كانت الإبادة دائما تصدر بفتاوى دينية توجب " قتلهم وقتالهم واستحلال اموالهم ونسائهم"، كما يقول الباحث صديق الدملوجي في كتابه "اليزيدية" الذي نُشر في الموصل، العراق، عام 1949.
والنتيجة أن هذه الحملات استهدفت الآيزيديين والآيزيديات على مدى القرون إلى حين تأسيس الدولة العراقية الحديثة.  
والهدف كان إخضاع هذه الأقلية وحملها على تغيير ديانتها.
أما الأساليب التي استخدمت في تحقيق ذلك فكانت ببساطة بشعة.
يصف الباحث والنائب أمين فرحان جيجو في هذه الأساليب قائلاً: "تمثلت بالقتل والتمثيل بالجثث أمام الناس والتهجير والبطش والتنكيل بدون رحمة وشفقة مع الغدر وارتكاب أعمال السلب والنهب وهتك الأعراض وسبي الأطفال والنساء وحرق الدور والقرى بأكملها وقطع الأشجار وحرق المزروعات والبساتين بعد الحصول على الكفاية من الغنائم والممتلكات وتدمير البنى التحتية للدور الدينية المقدسة والمعالم الحضارية و التراثية وإفناء المعالم الفكري والانتماء الحضاري الرافديني للشعب الآيزيدي".

طوال هذه القرون كان  قتل أبناء وبنات هذه الأقلية وبيعها في الأسواق "شرعاً".
هذه الرؤية أكد عليها الباحث صديق الدملوجي أيضاً  في كتابه.
حيث يقول "كان الولاة يطبقون أحكام هذه الفتاوى بحذافيرها بحقهم من خلال غزوات سنوية، (....)والغرض منها إبادة هذا  الشعب وإجراء الضغط عليهم لكي يبيعوا أولادهم ويتركوا أوطانهم ويهاجروا عنها".  
-------
هل تغير حال الأقلية بعد قيام الدولة الحديثة في العراق عام 1921؟
ما حدث أولاً هو أن المنطقة الكردية تم تقسيمها بموجب معاهدات لوزان 1923 وأنقرة 1926.
قطعت الحدود بين المناطق الآيزيدية وبَعثرت مناطقها وفرقت سكانها بين تركيا، سوريا والعراق.
 وبسبب طبيعة هذا التقسيم فُرضت العزلة على هذه الأقلية ضمن جموع الأكراد، وهو ما أنعكس على تردي أحوالها الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
 في الواقع، كما يشير الباحث الألماني  كريستيان مايزل المتخصص في شؤون هذه الأقلية في مقاله البحثي المنشور عام 2008 بعنوان "التغيير الاجتماعي ضمن إطار الإرهاب والتمييز"، أدى تدهور أوضاع الآيزيدية  إلى انحدارها إلى أسفل الهرم الاجتماعي.
وبدلاً من الفرمانات بدأت عملية تعريب وتهجير قسرية.
"إما أن تكون مثلنا، أو نجبرك أن تكون مثلنا". هذا حالنا في تعاملنا مع الأقليات.
يقول الباحث مايزل: "حاولت الحكومة العراقية انتزاع الهوية الكردية عن الآيزيديين بالادعاء أنهم عرب يتبعون يزيد بن معاوية، الذي اشتهر بسبب قتله لحفيد الرسول الكريم حسين بن علي. لكن هذا الزعم رفضته الأغلبية الآيزيدية وأصرت على كرديتها".
ويكمل: "وصلت عملية التعريب والتهجير القسرية إلى ذروتها في الفترة بين 1987-1988 خلال حملة الأنفال. معظم الآيزيديين تم تهجيرهم إلى مجمعات، واصبحوا معتمدين تماماً على إمدادات وخدمات مقدمة (وفي أحيان كثيرة لم تُقدم) من الحكومة المركزية. عاش المجتمع بأكمله تقريباً في حالة فقر وجهل، وبطالة متفشية".
تم تهجيرهم عنوة، بعيداً عن قرآهم، بعيداً عن حقولهم.
أما قرآهم، اما حقولهم، فقد منحتها الحكومة العراقية إلى قبائل عربية سنية موالية!
لم يكن غريباً لذلك أن ترحب الأقلية الآيزيدية بانتهاء حكم الرئيس صدام حسين، رغم أنها لازالت تعاني من تهميش ضمن الأقلية الكردية بصفة عامة.
------
انتهاء حكم صدام حسين لم يعنِ انتهاء معاناة هذه الأقلية.
فالتشدد الديني برز برأسه من جديد، وأعاد ماضي الفرمانات من جديد.
فمنذ الحرب الأهلية المذهبية التي عانت منها العراق منذ منتصف 2004، تم استهداف الآيزيديين والآيزيديات  بهجمات وحملات قتل متتالية.
تضمنت هذه الاعتداءات عمليات قتل؛ اختطاف؛ ترهيب؛ وحملات دعائية عامة شاركت فيها مساجد وأئمتها،  تدعو إلى إجبار هذه الأقلية على الإسلام أو قتلها! حتى الأطفال قتلوا في هذه الهجمات.
لكن الصمت الإعلامي المحلي والدولي عما حدث لهم ولهن يثير الاستغراب فعلاً.
على سبيل المثال، كما يشير الباحث الألماني مايزل، دمر مسلحون عرب سنة في 14 أغسطس عام 2007 قريتين آيزيديتين تدميراً كاملاً، وذبحوا 350 آيزيدي وآيزيدية، وتركوا نحو 1000 عائلة بلا مأوى.
هل سمعتما بهذا الحادث؟
كان جديداً علي.
------
الصمت الإعلامي هو مرآة لصمتنا نحن عما يحدث للأقليات في أوطاننا.
نشيح بوجوهنا لا نريد ان نعرف.
نصر أن الأقليات لدينا مصانة، رغم التمييز والمعاناة التي تعيشها.
نصر أنها معززة، رغم أنها تهان كل يوم ألف مرة.
نصر أنها لها كل الحقوق، رغم أننا نهمس كل يوم في أنفسنا أنهم ليسوا "فعلاً" "مواطنين ومواطنات" "متساويين ومتساويات" "معنا".
 نهمس ونظن أن همسنا خافت، لكنه يصرخ جاعراً في أفعالنا.
 ثم نقول إنه لا مشكلة لنا مع الأقليات؟  
في المقال القادم احدثكما عن أقلية اخرى، نهمس بوجودها ونخاف عليها من همسنا. عن المسلمين والمسلمات ممن تحولوا وتحولن  عن الإسلام إلى المسيحية.
 كما قالت لي أحداهن "خذلني ديني، فبحثت عن البديل".