الأحد، 24 فبراير، 2013

عن المرأة في ظل الدولة المستبدة والإسلام السياسي، والخريف الذي لحق بالربيع العربي


In light of the coming 8 March, the left leaning website Modern Discussion is organizing an open discussion between me and its readership. I am grateful for this opportunity to share my ideas and opinions. To prepare for this discussion i wrote an article entitled “On women, the Authoritarian state, Political Islam and the autumn that followed the Arab Spring”

بمناسبة عيد المرأة في الثامن  من مارس القادم، ينظم موقع الحوار المتمدن حواراً مفتوحاً بيني وبين قراء وقارئات الموقع.
ممتنة لموقع الحوار المتمدن لهذه الفرصة للتبادل مع القراء والقارئات.
http://www.ahewar.org/debat/s.asp?aid=347103


-------------

استغربت وأنا اعد لهذه المقدمة.
عادة لا تعجزني الكلمات.
لكني اليوم، هنا، في هذه اللحظة، ابحث عن الكلمات، وهي تنفر مني. يا الله كم أتعبتني.
غصة.
نعم. هي غصة.
هذا ما أستشعره في قرارة نفسي. غصة تسلخ بمرارتها حلقي. لكنها كغيرها من الغصات ستمر.
نعم. ستمر.
أردت أن اكتب عن الثامن من مارس، عن المرأة، وعن واقع هذه المرأة في ظل الانتفاضات التي اجتاحت المنطقة.
عامان مرا على ما اُصطلح على تسميته بال "ربيع العربي".
لو اردتما الصدق، اكره هذا التعبير.
عن أي ربيع نتحدث؟
الربيع يدخلنا إلى الخريف ليلتحق به الشتاء.
وصقيع قارص يستشعره الكثيرون والكثيرات اليوم، أما الخجل فيتوارى مهرولاً.  
وددت لو أسميناه انتفاضات الحرية، فعدا عن تاء التأنيث المتضمنة فيها، سنترك لها ولأنفسنا فسحة من الوقت. كي نتمكن من التقاط أنفاسنا، نبتلع خيباتنا، ثم نستجمع قوانا، ونعود لنعمل من أجل التغيير.
 نُصر على أنه ممكن، رغم الصقيع.
التغيير كان دوماً صعباً.
 هنا أو في أي منطقة أخرى من المعمورة، لا فرق.
وفي حالتنا هو أصعب بكثير لاسيما وأننا لا نواجه فقط انظمة مستبدة لا تريد أن تلفظ أنفاسها، وشقيقات لهن مصلحة في وأد الوليد في مهده، ومجتمعات نخر السوس في أنظمتها الفكرية و التعليمية والاقتصادية، وتعاليم دينية حان وقت إصلاحها بعد أن انتهت وقت صلاحيتها، ثم كتلة معجونة من التقاليد والعادات تقتل الإنسان في أرواحنا.
لا.
لا نواجه كل هذا فقط.
 بل نجابه قوى فاشية تتلفح بعباءات دينية تصر على إجهاض روح التغيير بإسم الله.
كوكتيل سام.
 ونصر على أنه "ربيع"؟
تعبير "الربيع" لا يعكس ما حدث ويحدث على أرض الواقع.
بل مخاض.
ومخاض صعب.
ونتائجه مفتوحة على كل الاحتمالات.

كي لا تكون الذاكرة دجاجة

أعود بكما إلى مقدمتي من جديد.
سأستخدم عدسة تنظر فقط إلى المرأة، باعتبار أن هذه المقدمة تمهد للثامن مارس.  استعيد فيها بعضاً مما حدث وما يحدث اليوم في هذا المخاض اللاربيعي.
لن أذكركما بمشاركة المرأة الأساسية في انتفاضات المنطقة.
كان دورها حاسماً، في الإعداد والتعبئة، والتوثيق، والتظاهر ثم المواجهة.
كسرت جدار الخوف. فهنيئا لها.
لن أذُكركما بهذا الجانب، لأنه ليس جديداً.  في الواقع لا أتوقع غير هذا من امرأتنا القوية. 
كانت دوماً قوية، رغم الغصات.
وشاركت  في ثورات الماضي والحاضر على حد سواء.
تماماً كما أنها شاركت في صناعة تاريخ المنطقة، لولا أن المؤرخ رجل، ذاكرته كالدجاجة، تنتقي حباتها بمنقار أعوج.[1]
سأترك هذا الجانب المعروف من مشاركة المرأة، و اعطف بكما على ركن  نريد أن نتجاهله بقوه.
لكنه ضروري إذا أردنا أن نبني مجتمعات سوية، على أسس عدالة انتقالية سليمة.
إذا كانت المرأة قد كسرت جدار الخوف، فأن ردة الفعل المضادة تجاهها توالت، وعلى الأخص المتعلقة بالدولة وأحزاب الإسلام السياسي.

سيف الدولة المسلط على جسد المرأة

كان هناك ولازال سيف الدولة المستبدة المسلط على جسد المرأة.
 يستغله لبذر الخوف في قلوب النساء والرجال على حد سواء.
الاغتصاب الجماعي كان دوماً سلاحاً في الحروب. حدث ويحدث في كل بقاع المعمورة.
ونحن كغيرنا لسنا الاستثناء.    
تقارير حقوقية كثيرة أشارت إلى استخدام نظام القذافي سلاح الاغتصاب الجماعي وسيلة للترهيب والترويع.
في تونس تكررت حوادث اغتصاب قبل فرار بن علي.
في مصر، استخدم النظام الذي لا يريد أن يلفظ أنفاسه، "اختبارات كشف عذرية" مشينة، لعقاب ناشطات قويات، رفضن أن يلجمن أصواتهن.
في البحرين لجأت الدولة إلى اعتقال ناشطات، وتركت أهلهن يحترقن في غياب أية معلومات عن مكانهن.
في اليمن، استخدم النظام السابق، الذي لطالما تحدث عن دعمه للمرأة، أسطوانة "عدم اختلاط المرأة بالرجال" سبيلاً لضعضعة وحدة الشباب والشابات في الفترة الأولى لحراكهم وحراكهن.
اما سوريا  فالأنباء تتوالى اليوم عن نمط الاغتصاب الجماعي  يتكرر في حرب أهلية طاحنة.
رغم ذلك، إلى يومنا هذا، يظل الصمت، التجاهل، والتواطيء، هو الجواب عندما يتعلق الأمر بملاحقة المتسببين  عن هذه الجرائم.
جرائم الاغتصاب الجماعي هي جرائم حرب بحسب القانون الدولي. لكن بعض المنظمات الحقوقية الدولية أقررن همساً  بخوفهن من فتح هذا الملف، خشية على حياة النساء والفتيات ممن تعرضن إلى هذه الجرائم.
يخفن عليهن، خاصة وأن المعتاد لدينا أن نُدخل الضحية إلى قفص الاتهام.
ولا أريد أن اذكركما بفضيحة لجنة حقوق الإنسان التابعة لمجلس الشورى المصري، التي اعتبرت الفتيات ممن يمارسن حقهن في التعبير والتظاهر، مسؤولات عن تعرضهن للتحرش الجماعي في ميدان التحرير! ولولا الضجة الدولية التي لحقت هذه التصريحات المشينة، ما اضطرت اللجنة الى بلع لسانها.
لا نعاقب المعتدي.
بل نُدخل الضحية إلى قفص الاتهام، ونغتصبها مرتين.
هذه واحدة. سلاح الدولة المسلط على جسد المرأة.

الإسلام السياسي والمرأة كساحة مواجهة

ردة الفعل الثانية جاءت من جبهة الإسلام السياسي. وساحة المواجهة كانت كما العادة دوماً هي جسد المرأة، إرادتها واستقلاليتها.
لعل احزاب الإسلام السياسي هي الوحيدة التي تدرك جيداً ما تريد عندما يتعلق الأمر بالمرأة.
والمسألة لا تتعلق فقط برؤية محافظة مهووسة إلى حد المرض بجسد المرأة.
في الواقع المسألة تتعلق بمشروع سياسي، اخشى أني سأكررها، مشروع سياسي فاشي، واقع المرأة فيه جزء لا يتجزأ.
المرأة هنا هي التي ستصنع جيل يفترض فيه أن "يسمع ويطيع" ثم "يجاهد" (يقاتل). ولذلك عليها أن تكون صورة مصغرة "للمشروع السياسي".
زي موحد.
لغة موحدة.
وغياب الإرادة المستقلة.
لم يكن غريباً لذلك أن تكن نساء احزاب الإسلام السياسي في البرلمانات الجديدة المنتخبة هن أول من هدد مكتسبات المرأة.
أحزاب الإسلام السياسي، أكرر، هي الوحيدة التي تعرف جيداً ما تريد عندما يتعلق الأمر بالمرأة.
في مصر: رفضٌ لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، رفض لقوانين المساواة، الإصرار على إمكانية زواج الصغيرات (الأحرى ان نسميه اغتصاب الطفلات)، ثم لا ضير من عدم تجريم ختان المرأة.
في تونس حيث تقاليد العلمانية وقانون العائلة (المدونة) الذي ساوى بين المرأة والرجل منذ عام 1956 قد تأصلت إلى حد في المجتمع، كان من الصعب على أحزاب الإسلام السياسي بتياريه أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. رغم ذلك فإنها لم تيأس. سعت إلى تغيير الدستور، وتعديل مادة تقول بمساواة الرجل والمرأة أمام القانون إلى مادة تقول إن دورهما متكاملان.
ما شأني بدورهما؟ أريد قانوناً يحترم إنسانيتي ويعاملني مع الرجل على قدم المساواة.
عدا عن هذه المحاولات القانونية، بطش التيار السلفي بالفتيات والنساء في تونس.
سعى إلى ترويع المثقفات واستاذات الجامعة (نفس الأسلوب تكرر في بلدان عربية أخرى واليمن على رأسها). وما حدث في إذاعة القرآن وجامعة القيروان موثق.
والنهضة صامتة.
فتح الطريق أمام أباء يغصبن بناتهن على ارتداء الحجاب.
والنهضة صامتة إن لم تكن مشجعة.
ليتعرى امامنا حقيقة الحجاب.
ليس "فرضاً دينيا". بل "أداة تسلط" تسعى إلى "تكبيل الفتاة"، وترويع "جسدها".
ليس "فرضاً دينيا". بل "خوفاً من جسد المرأة". ذاك الذي يرعب المجتمع من رغبته في الحرية. 
المجتمع يريد أن يلجمها، والإسلام السياسي يريد أن يحولها إلى أداة تفريخ لجيشه الجهادي.   
إذن هذه الثانية.
ردة فعل مضادة ضد صوت المرأة العالي من جانب احزاب الإسلام السياسي.

التمييز لدينا يحدث بالقانون ويؤسس له مجتمع ودين

الإثنان، سيف الدولة المسلط على جسد المرأة، ومشروع الإسلام السياسي المناهض لحقوق المرأة، يعملان ضمن إطار إجتماعي قانوني ديني يرسخ بل ويؤسس للتمييز.
أقولها دائماً لطلابي وطالباتي.
كل المجتمعات عايشت وتعايش على مر التاريخ صوراً من التمييز ضد المرأة.
الفرق لدينا في منطقتنا، أن التمييز يتم بالقانون.
قوانين أحوال شخصية تتعامل مع المرأة على أنها قاصر، تحتاج إلى ولي أمر، اب، اخ، زوج. المهم ذكر.  
قوانين أحوال شخصية تترك للرجل حق هدم حياة زوجية بكلمات ثلاث. والمرأة بضاعة متعة، لا يحق لها أن تعترض.
قوانين أحوال شخصية تنزع حضانة أطفال المرأة المطلقة إذا قررت الزواج من جديد. كأن دورها هو التفريخ، والعناية بفرخها. أما أن تعيش أيضأً، فهذا لا يتوافق مع صورة المرأة المجتمعية.
قوانين في المغرب تسمح للمغتصب بتفادي العقاب عندما يتزوج من أغتصبها.
قوانين في اليمن تسمح للطفلة في الثامنة بالزواج.
ثم قوانين على الورق، جميلة على الورق، لكنها تظل على الورق، لا تترجم إلى الواقع.
حقيقة ٌ تعكس تدني الرؤية المجتمعية للمرأة.
في مصر، الدولة التي ازدهرت فيها حركة نسائية منذ القرن التاسع عشر، وحصلت المرأة فيها على حق التصويت منذ عام 1956 لم تتمكن المرأة من الحصول على أكثر من 2%  من مقاعد البرلمان في أي انتخابات لم تتمتع فيها بكوتا مخصصة لها.
نفس هذه النسبة حصلت عليها المرأة في البرلمان المصري المنتخب الجديد.
كان من المؤلم رؤية الطريقة التي تكالبت فيها قوى الإسلام السياسي والقوى المجتمعية المحافظة، وبمباركة صامتة من المجلس العسكري، لإلغاء نسبة الكوتا ال 10% التي تمكنت الحركة النسائية من الحصول عليها خلال عهد الرئيس السابق حسنى مبارك.
نفس الأسطوانة المشروخة التي استخدمت بعد اغتيال الرئيس السادات، استخدمت هذه المرة.
قالوا إن هذه قوانين "سوزان مبارك".
كأن مصر لا حراك نسائي فيها.
القوانين تعكس رؤية مجتمعية ، تستخدم الدين وسيلة لتكريس واقع المرأة المتدني.
وتمازج الثلاثة - قانون، رؤية مجتمعة، ودين - طفر إلى السطح من جديد في المرحلة الانتقالية التي تلت إسقاط العديد من الرؤساء في المنطقة.
لم يكن غريباً إذن أن ينعكس هذا على محاولات لتغييب تمثيل المرأة في اللجان والمجالس الجديدة.
مصر تمثل أسوأ نموذج، حيث غابت المرأة عن التمثيل في معظم اللجان التي تشكلت بعد تنحي الرئيس السابق مبارك، وفي اللجنة الدستورية المكلفة بصياغة الدستور، كان تمثيلها 7 من بين مائة عضو، 5 منهن كن من أحزاب الإسلام السياسي.
تونس كانت كالعادة النموذج، كان الاتفاق على المناصفة في الترشيح لانتخابات المجلس التأسيسي. التزمت الأحزاب بهذه المناصفة، لكنها لم تلنزم بوضع المرشحات في قمة القوائم. أمر معتاد عليه في الكثير من بلدان المنطقة.
رغم ذلك، مثلت المرأة 27% من مقاعد المجلس التأسيسي. عدد كبير منهن من النهضة.
في اليمن تم تمثيل المرأة ب27% في اللجنة المعدة لمجلس الحوار الوطني.
وفي ليبيا حصلت المرأة على 17% من مقاعد البرلمان المنتخب الجديد.

إمرأتنا القوية، تصر على التغيير رغم الصقيع

في كل هذه الحالات، في كل ما حدث ويحدث في المخاض العربي، كان دور المرأة في الدفاع عن مكتسباتها والمطالبة بحقوقها حاسماً، رغم ضعف المردود في مصر.
ربما لذلك قلت لكما في بداية هذه المقدمة، أني أستشعرها غصة، لكنها كغيرها من الغصات ستمر.
نعم. ستمر.
غصتي من واقع لم يتغير كثيراً. إن لم يكن قد ساء، خاصة عندما نتحدث عن الأحوال المعيشية الاقتصادية الصعبة، التي تردت كثيراً، وطحنت في دوامتها المرأة كالرجل اليوم.  
غصتي من محاولات إجهاض مستمرة لإفشال مشروع إصلاح يحترم الإنسان في المجتمع، أياً كانت هويته أو نوعه أو فكره، ويتعامل معه على قدم المساواة أمام القانون.
مواطن، مواطنة. متساويان.
إجهاض مشروع إصلاح يضع أساساً لمشروع عدالة اجتماعية يكون فيها الإنسان، مقدرته على الإبداع، والمبادرة، هو الثروة التي يجب بناءها كي نتمكن من بناء هذه المجتمع.
إجهاض مشروع إصلاح، يصر على أن إي تغيير لا يتناول إصلاح الدين فيه، سيكون مصيره ككل المشاريع الماضية الفشل. لأن الدين اليوم، كما يفسروه، هو جزء من المشكلة.
غصتي من هجمة كهنوتية شرسة تستهدف المرأة تحديداً منذ بداية المخاض العربي.
أستشعرها غصة في الثامن من مارس هذا العام.
لكن لو كانت المرأة في كل ما يحدث صامتة ضعيفة مستكينة. كنت سأختنق بغصتي. أي والله كنت سأختنق.
لولا أنها ليست صامتة. ليست ضعيفة. ليست مستكينة.
صوتها ارتفع في أرجاء منطقتنا، سمعناه واضحاً في مبادرة "انتفاضة المرأة في العالم العربي".
ظلت قوية، متمردة، مصرة على التغيير، رغم الأنين.
امرأتنا القوية.
 هي.
 هي وحدها قادرة على تغيير واقعها، لأن الحقوق لم تكن يوماً هبات.
تبتلع غصتها. تلتقط أنفاسها. تستجمع قواها.  ثم ترفع رأسها من جديد. مبتسمة. متحدية. تصر على أن التغيير ممكن، رغم الصقيع.
ولذا، فإن هذه الغصة، كغيرها ستمر.
نعم. ستمر.
إلهام مانع  




[1] ولذا ندين كثيراً بالفضل لمشاريع بحثية من نوعية مؤسسة المرأة والذاكرة المصرية (http://www.wmf.org.eg/ar ) التي أعادت إلى الحياة اصواتاً منسية من نساء صنعن التاريخ في المنطقة.