الأحد، 25 أكتوبر 2009

دوائر الهوية

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، وأسئلة كثيرة تنهال علي هنا في موطن الهجرة سويسرا، من بعض السويسريين أنفسهم.

"أنت مسلمة"، كانوا يقولون، "لما لا تشاركيننا الرأي فيما يحدث من حولنا".

أو يقولون "كمسلمة، ما الذي يعنيه لك مقتل المخرج الهولندي فان جوخ، أو الهجمات الإرهابية التي استهدفت لندن.. الخ".

وفي كل مرة كنت اشعر بالرغبة في الصراخ.

في شد شعري، والزعيق في وجههم.


فالمشكلة التي كنت أواجهها في كل مرة يطرح علي مثل هذا السؤال "كمسلمة"، هو أني لم أعتبر نفسي يوماً "مسلمة"!

أليس من الغريب أن تفرض عليك هوية ما، ثم تجدها ملتصقة بجلدك، مكتوبة على جبهتك وأنت لا تدري؟

كوني "مسلمة" لا يزيد عن رؤية من يفرضها علي، لأنه لا يري في كياني المتواجد داخل مجتمعه سوى الجانب الديني منه. هذا رغم أني أحمل الجنسية السويسرية مثله، ولي نفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها محدثي.

وأنا بالتأكيد مكونة من هويات عديدة، لكن "المسلمة" منها ليست المحددة الأولى لطينتها.

هويتي تتداخل في دوائر متشابكة، ثلاث منها هي الأكثر وضوحاً. الدائرة الأوسع والأهم فيها هو كوني إنسانة.

إنسانة.

لا أقول هذا لأن وقع الكلمة جميل. ويعلم الله أن وقعها جميل، نلوك بها ألسننا ولا نعنيها في الكثير من الأحيان.

أقولها لأني أؤمن بها.


أؤمن أن الهدف الأسمى في الحياة هو حماية كرامة الإنسان.

هو أولا وأخيرا.

تماماً كما أنه هو الحل، الإنسان لا الإسلام.

وأن هناك قيم إنسانية تتجاوز اللون والجنس والدين، قيم تجعلني أنظر في عيني محدثي بغض النظر عن هويته، وأرى فيهما شيئاً غالياً، شيئاً نفيساً يستحق أن أحترمه وأجله.

تقف ضمن الدائرة الإنسانية دائرة الهوية العربية واضحة هي الأخرى.

لا أقول يمنية.
رغم أني أعتز بجذوري اليمنية، وأفخر بها.

بل أقول عربية.

عربية لأني ولدت في مصر، وفي عروقي تجري دماء مصرية أيضاً.


عربية لأني عشت في بلدان الوطن العربي، في مغربها ومشرقها وخليجها.

ولذلك تشربت بلغتها،

اللغة الهوية الأم،

أمي التي رضعت من حليبها.

وعشقت ثقافتها.

وتمثلتها نفساً أستنشقه كلما خنقتني الغربة.

لكن كل ذلك لم يجعلني عنصرية في محبتي لهويتي العربية. فقد عشت أيضاً في بلدان أخرى غير عربية، إسلامية وغربية.

والنتيجة التي خرجت بها من كثر الترحال أن البشر يتشابهون كثيراً. قد يختلفون في أنماط وأساليب حياتهم، في طرق التعبير عن ثقافتهم وهويتهم، في ألوانهم وألسنتهم، لكنهم في النهاية يحبون، ويكرهون، ويقلقون، وهم في العادة عنصريون.

أخيراً، تأتي دائرة انتمائي للإسلام. وهي دائرة خاصة للغاية، اخترتها اختيارا. فلو كنت ملحدة لقلت إني ملحدة.


لكني قررت أن أكون مسلمة.

فهذا من حقي، أن أؤمن بما أشاء.
ورغم قراري هذا، أحرص علي كينونتي المسلمة من العلانية، هي جانب حميم مني، فيها أعايش روحانيتي، وبها أشبع احتياجي إلى الله.

وهي في كل هذا تظل هوية خاصة، ليست شاملة، ولا أريدها أن تكون شاملة.

أنا كيان معقد، لست شيئاً مبسطاً كما قد يرغب البعض في تصويري.


وهذا البعض يقف على جبهتين، جبهة هنا في موطن الغربة، لا ترى في الأجنبي إلا الجانب الذي تخشاه أكثر. ذلك المسلم الذي يخيفها ولا تفهمه.

وجبهة لدينا في العالم العربي، تريدنا أن ننسى إنسانيتنا، وتجمعنا في دار حرب، وتقول لنا إن الدين هو الهوية، وتلغي بذلك هويات مواطنيها من غير المسلمين.


وكلاهما يتفقان على أن هناك رؤية واحدة أسمها "نحن ضد الآخر".

أنا لا أنتمي لا لهذا و لا لذاك.


ولا أؤمن بتلك الرؤية.


رغم أنها تبقى إنسانية حتى النخاع في عنصريتها.

السبت، 17 أكتوبر 2009

لنقل "لا"

يكفي أن نقول "لا".

يكفينا أن نقوله لكي نكسر كمام الخوف، ذاك الذي وضعناه على أفواهنا بإرادتنا، ولجمنا به ألسنتا، لأننا نخشى أن نخالف المعتاد والمعروف والمألوف. نخشى أن نقول "لا" لأراء وتفسيرات تقتل عقولنا، ثم أرواحنا، ثم إنسانيتنا.

وأنا قررت أن أقول "لا"

"لا" لكل رأي وتفسير لا يتماشى مع المنطق والعقل، لكل نص يتعارض مع إنسانيتي وإنسانية غيري، ولكل فكر يقولبني في إطار يمتزج بالكره والعداء للأخر.

وأعرف ما تعنيه أداة النفي هذه، كما أدرك أبعادها ونتائجها... ومخاطرها. لكني أعرف أيضا، وكما قلت من قبل وسأقول من بعد إلى أبد الدهر، أن فيها خلاصنا.


يوم نكسر حاجز الخوف، سنفكر.

ويوم نفكر بحرية، سنتعامل مع واقعنا وأمراضه، بلا قيود تكبلنا، ولا أفكار تحيلنا إلى قرون مضت، وسنعالجها.

يومها نكون بشراً متمدناً قادراً على تطويع واقعه كما يشاء.
سأقول "لا" لمن يقول لي "إن لولي الأمر علي حق الطاعة والولاء"، وهو يدري أن ولي الأمر هذا قد أفسد في الأرض، وعاث فيها، وأنه منح نفسه وذريته حقوقاً ليست حقاً له، وأنه لم يتولَ الأمر بما يرضي حقوق من يتولاهم من المواطنين.

لم يتولاها بما يرضي الله.

سأقول "لا" لمن يقول لي" إن المرأة كائن ناقص، في العقل والدين". فأنا، وغيري من النساء ممن أتُيح لهن نعمتي العلم والاحترام، على قناعة باكتمال حواسنا ومداركنا، وبقدرتنا على تولي زمام حياتنا بأنفسنا، وعلى المساهمة أيضاً في حياة من حولنا.

تماماً كما سأقول "لا" لمن يقول لي "إن صلاة المرأة وهي حائض حرام"، ويزايد غيره قائلاً "بل إن صلاتها وهي حائض كفر".

بالله عليكم. أصلي لربي وأنا مؤمنة خاشعة، لكني أُخرج من ملة الإسلام عنوة بسبب بضع قطرات من دم تخرج مني في دورة طبيعية، هي من الحياة وللحياة أساساً.

ويقولون إني نجسة،

ويقولون إني غير طاهرة.

ألم أقل لكم إنها تفسيرات القرون الوسطى.

وسأقول "لا" لمن يقول لي "إن صلاتي في بيتي"، ويصر على فصلي عن الرجال إذا أحببت أن أصلي في جامع. فأنا أحلم بيوم أصلي فيه في جامعٍ حاسرة الرأس مع أخوتي من الرجال والنساء، نقف فيه كلنا أمام الله متساويين.

سأقول "لا" لمن يقول لي "إن الناس سواسية كأسنان المشط". ثم يتراجع بالقول "لكن الناس هنا هم المسلمون بالطبع". ثم يفصّل أكثر ويقول "لكن المسلمين هنا هم أهل السنة بالطبع"، ثم يزيد في التفصيل ويقول "بل هم في الواقع بعض فرق السنة بالطبع".


و"بالطبع" هذه تحتم علينا أن نقول لمن يقولها لنا "لا"، فما هو مؤكد "بالطبع"، هو أن قائلها ينتمي إلى فئة "العنصريين" بمرتبة الشرف.


ببساطة، سأقول "لا" لمن يقول لي "إن الرأي لا يخرج عن نطاق النص"، و"أن هناك افكاراً مقبولة وأخرى مرفوضة"، و"أن هناك جوانب لا يصح فيها أن نُعمل العقل"، و"أن نتاج الفكر البشري من كل الحضارات لا يعنيه كثيراً أو قليلاً"، وأن الفكر هو "فكر الله".


أقول له "لا"، لأني أدري أن ما يسميه ب"فكر الله" لا يزيد عن "فكر الإنسان"، وأني لذلك حرة،

حرة في أن أفكر، وأحلق بعقلي في كل جانب مقبول أو مرفوض، وأغرس خلاياه في تلك الجوانب المحظورة، وأختار من نتاج البشرية ما يلائمني، ثم أخلق لنفسي عالماً يتلائم مع بشريتي واحتياجي إلى الله.


وربما ستخلقين لنفسك، وتخلق أنت لنفسك، عالمين آخرين، قد يوجد فيه الله وقد لا يوجد. المسألة ليست مهمة كثيرة. ما هو مهم حقاً هو أن ندرك أن اختيارنا ليس فرضاً على غيرنا، وأننا في كل تنوعنا واختلافنا نعيش في خلية واحدة هدفها واحد: أن نكون مواطنين فيها على قدم المساواة.


ومن المستغرب بالطبع أن أكرر كلاماً سبقني إليه من قبل آخرون، وقالوه أيضاً، لكن قبل قرون بعيدة.


لكننا نعيش في زمن عادت فيه عقولنا العربية والإسلامية إلى الماضي، تعيش فيه، وتقهقرت معه.

فحق علي أن أذكر بما هو مفروض أن يكون بديهياً.

وحق علي لذلك أن أطالبكم: لنقل معاً "لا"!

الاثنين، 7 سبتمبر 2009

العقل أولاً!

دعونا نعيد الحوار إلى خانته الأصلية: خانة العقل والمنطق والإقناع.

نعيده إلى النقطة التي بدأ بها في تجلياته الأولى في القرن التاسع العشر، ثم كتمنا على أنفاس اصحابه منذ ثلاثينات القرن العشرين، فأكمل عباقرتنا حياتهم في كتابات تتحدث عن عبقرية محمد وعلي، وسير الصحابة والعظماء.

فضاعت الفكرة.

أي خسارة!

نعيش أثارها يومنا هذا، في نفوسنا المتهالكة اليائسة النافرة، وفي عقولنا الرافضة الجامدة.


أقول إذن لنعُد الحوار إلى خانة العقل، ولنخرج من مصيدة "قال الله تعالى"، أو "قال الرسول الكريم".

هي مصيدة لسببين.

الأول، هو أن هناك أشياء في القرآن لم يعد من الممكن القول إنها تصلح لزماننا هذا. عاف عليها الزمان، وأصبح من الصعب القول إنها تنتمي إلى عصرنا هذا.

العبودية واحدة منها. هي مذكورة في القرآن، تماماً كما أنها مذكورة في الكثير من الكتب المقدسة.

وأعرف أن البعض، سيرفض أولاً مجرد مقارنتي للقرآن الكريم مع كتب سماوية أخرى، وهذا شأنهم، وغيرهم الأكثر سيقولون: لكن الدين الإسلامي حض على تحرير العبيد في كل فرصة مواتية، وهذا أيضاً صحيح، لكنه لم يدنها كممارسة، وهنا المحك.


تماماً كما أن هناك الكثير من الأشياء غير المعقولة التي ذُكرت في ما نتناوله ونُصر على أنها أحاديث نطق بها الرسول الكريم. كحديث الذبابة الذي يحثنا إذا سقطت في شراب أمامنا أن نكمل غمسها فيه ثم ننزعها، ونشربه على بركة الله، لأن في "إحدى جناحيه دواء وفي الأخرى شفاء".

ومع احترامي لمن وضع هذا الحديث، لأنه حديث موضوع حتى ولو ذُكر في صحيح البخاري، إلا أن عقلي يعافه، وينفر منه، ولا يقبله. فمهما كانت درجة خشوعي وإيماني تظل نفسي تعاف الذبابة.

ورغم غرابة مثل هذا الحديث، نجد من يخرج علينا ليقول "لقد أثبت العلم الحديث أن في جناح الذبابة الخير الكثير، وأنها بالفعل تحتوي على مصل مضاد لبكتيريا جناحها الأخر!" ومادام الأمر كذلك، لم لا ننشره كخبر أول في صحفنا العربية، حتى يعم الخير على المعمورة، وتستفيد البشرية من مثل هذا السبق العلمي.

بالله عليكم ألا نستحي؟

ما علينا.


إذن هذا هو السبب الأول.

الثاني، هو أن كلمة العقل تُخرجنا من مأزق"الإجتهاد". وهو مأزق بحق.

المؤيديون لمبدأ إستخدام العقل في تسيير شئون حياتنا، عادة ما يدللون على إمكانية فعل ذلك بالقول "إنظروا ما فعل الخليفة عمر بن الخطاب عندما أوقف دفع المبالغ التي ذكرها القرآن للمّؤلفة قلوبهم، وبرر ذلك بأن الأسلام أصبح قوياً لا حاجة له بهم بعد اليوم، ثم أوقف حدَّ قطع يد السارق في عام المجاعة، لأن الظرف كان لا يسمح بتنفيذه، لاسيما وأن الناس يتضورون جوعاً ويشاهدون أطفالهم يموتون أمام أعينهم".

كلام جميل.

لكنهم متى ما بدءوا يعُملون عقولهم خرج عليهم من يجادلهم "وهل أنتم بمكانة عمر بن الخطاب. الاجتهاد حق للعلماء" فقط، والعلماء المقصودون هنا هم علماء الدين طبعاً!

أربع كلمات، "الاجتهاد حق لعلماء الدين"، تلغي كل إمكانياتنا الفكرية والعقلية، مقدرات كل من درس علوم الحياة، لأنهم ليسوا علماء دين.

تخيلوا إذن حال أوروبا اليوم، لو أنها إستمعت إلى حظر الكنيسة في القرون الوسطى على التفكير.

وقتها، قالت هي الأخرى إن التفكير والإجتهاد حصر على علماء الدين، على من يقدر على فك تفشيرات الفكر الديني المقدس. ووقتها أيضاً أعتبرت من خرج على هذا الحظر ملعوناً في الدنيا والآخرة.

لكنهم كانوا أدرى.

لم يطيعوها، أدركوا قبلنا أن العقل هبة من الرحمن، أنعم علينا بها كي نستخدمها، بها ميزنا عن غيرها من المخلوقات، وهي بتكوينها الفريد لم تخلق كي نجمدها في ثلاجة أبدية إسمها "لنثق في علماء الدين"، فأنا ببساطة لا أثق فيهم.

بعض هؤلاء العلماء يطالبني أنا المسلمة أن لا أحيّي أخي المسيحي، وهو أبن جلدتي وعروبتي، أو أخي اليهودي، أو أخي البوذي، أو أخي الملحد، وكلهم أخوتي، أخوتي في الإنسانية.

وهم أيضاً يصرون على أن كل بدعة ضلال.

البدعة، وهي الابتكار والتجديد، نسميها ضلال.

تماماً كما أنهم يصرون على أن كوني إمرأة يجعلني "ناقصة" في "العقل وفي الدين". وستشهقون "هذا حديث الرسول الكريم"، وأرد عليكم بالعقل إن من كرّم المرأة عندما جاء في زمن كانت المرأة فيه تُورث كبضاعة، لا يمكنه بالمنطق أن يقول مثل هذا الحديث.

دعونا إذن نُقدم على التفكير،

دعونا نعيد حديثنا إلى خانته الأصلية: خانة العقل والمنطق والإقناع.

دعونا نقول من جديد، إن الحياة رهن بفكرنا وإرادتنا، ومعها مستقبلنا.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

لي لسان لن أقطعه!

لي صديقة عزيزة.
أحبها رغم أن معرفتي بها لازالت قصيرة.

حذرتني!
وكادت أن تنهرني.

قالت لي: هل لديك ميول انتحارية؟
رديت بلا.

فأردفت: "إذن أكتمي صوتك. لا تتعجلي بعرض أرائك كما هي. أنت تعيشين في واقع لا تتجادلين فيه مع من يخالفك بالكلمة والحرف والقلم. بعضهم سيرد عليك بسكين ينغرز خلسة في جسدك، وأنت لا تتوقعين".

وأكملت: "اعرضي أرائك تدريجياً، حتى يكون القارئ مهيئاً لما تقولينه. ماذا يجديني إذا كتبت كتابين، ثم تعرضت للأذى. أكتبي عشرة، وفي العاشرة دعي ملامح اعتراضاتك تتجلى في هدوء".

قالت كل هذا لأني صارحتها بأن رئيس تحرير موقع شفاف بيار عقل وافق متكرماً على نشر سلسلة لي بدءا من شهر سبتمبر القادم تحت عنوان "يوميات امرأة عربية"، أعرض فيها لوجهة نظر كامرأة تقول إن هويتها تتداخل بين عدة دوائر.

أولها أنها إنسانة، وثانيها، أنها عربية، وثالثها، أنها مسلمة. لكن الثالثة تظل حيزاًَ خاصاً تتعامل معه بحب، و تحرص عليه في الوقت ذاته من العلانية.

وأقول أيضاً إني وأن اخترت الإسلام ديناً، إلا أن هناك أوجه من هذه الديانة، عاف عليها الزمان، وأن بعضها لا يمت إلى واقعنا بصلة، وغيرها تم تأسيسه لحماية مصالح عديدة، ولذا هي من الدين الحنيف براء.

وأقول أيضاً إنه كما كان العقل عند المعتزلة مرجعاً في التشريع، فإني أراه أيضاً مرجعا في الحياة، أؤسس عليه حياتي، وأقيم عليه قواعد بناء إنسانيتي. وإني لذلك سأعرض وجهة نظر لرؤية إنسانية للدين الإسلامي الحنيف، هي على النقيض تماماً من تفسيرات القرون الوسطى.

أقول كل هذا من منظور أنثوي قد يثير الاشمئزاز لدى البعض، وقد يعتبره البعض ترهات امرأة تنظر إلى التفاصيل، وتدخلنا في متاهات لا داعي لها. لكن الشيطان يا عزيزي كما تعرف يختبئ دائماً في التفاصيل.

ربما لذلك ستقول لي "لم لا تستمعين إلى رأي صديقتك الطيبة. فحديثها منطقي وهادئ، وهو أدعى إلى الحفاظ على السلامة".

ومادمت أنت وهي قد اتفقتما، فلعل الحق معكما.
ربما من الأفضل لذلك أن ألجم لساني، أو لعل الأفضل أن أقطعه؟
لنقطعه ولنتخلص من وجع الرأس.

نقطعه كما قُطع لسان إبن المقفع!
قطعه أولو الأمر لأنه أراد النصيحة بكلمات مواربة.
ولأنهم قطعوه رغم أنه آثر السلامة، أفُضل لذلك أن أنطق برأيي بلا مواربة، بصورة مباشرة.

لساني إذن من النوع العنيد، يقول الكلمة وهو يعنيها، ويترك لمن أمامه الخيار أن يقبلها أو يرفضها، وحبذا لو رفضها بالكلمة والحوار لا بالرصاص والتجريح.

الصمت لم يعد خياراً. أصبح واجباً ، نكسره ونتحمل عواقب كسره.

هو الصمت الذي جعلنا نقف اليوم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، محلك سر.
كأن الزمن مر على كل الأمم ليقف عندنا ساكناً، لا يتزحزح، و نسكن لذلك في فجوة زمنية، نعيش فيها ما عايشته أوروبا في القرون الوسطى.

هو الصمت عدونا، ومعه الخوف الذي يلجم ألسنتا.
ولأنهما كذلك قررت أن لا أقطع لساني.
أن أحافظ عليه.
وأن أنازلهما، الصمت والخوف، بالكلمة والحرف.


ولأن قراري كان عقلانياً أسألكما، أنتَ وهي، أن توافياني الأسبوع القادم في يومياتي العربية.

لعلكما تستمعان وتصغيان، ولا تجفلان.

يوميات إمرأة عربية

أعزائي وعزيزاتي

اليوم سأبدأ بإعادة نشر يوميات إمرأة عربية التي نشرها موقع شفاف الشرق الأوسط في سلسلة بدأت يوم 30 أغسطس 2005 إلى سبتمبر 2006.
عندما بدأت في كتابتها كنت غاضبة.
وهذا الغضب سيتبدى لكّن في السطور.
ومع الوقت هدأت.
فتبلورت ملامح الإسلام الإنساني.
تقبلوا كلامي بصدر رحب، ولاتسيئوا الظن بي.
محبتي،
إلهام مانع

السبت، 29 أغسطس 2009

ولي أمري أدرى؟

والله، أني كدت أبتسم.
لكني إحترت كيف أبتسم؟
ثم قلت لنفسي، إن الإنسان هو الإنسان.
في حكمته أو ضعفه.
هنا أو هناك.
لا فرق.
فعُدت عن الإبتسام، وتفكرت.


بعض السيدات السعوديات، تفتقت قريحتهن.
أردن أن يأخذن موقفاً من الحركة المدنية الناشطة الداعية إلى منح المرأة السعودية بعضاً (وليس الكل) من الحقوق التي تتمتع بها نظيراتها من النساء العربيات. فخرجن علينا بحملة عنوانها "ولي أمري أدرى بأمري".
فتحولت حملتهن إلى مادةٍ للتندر.
هل نلومهن؟ كل ما أرادوه هو أن يكّحلوا واقعا، لا يعرفوه، فزادوه عمى.
وفي الواقع سيكون غريبا أن نتوقع منهن امراً لا يفهموه. ففاقد الشيء لا يعطيه، كما تعرفون.


معظمهن ينتمين إلى الطبقة الإرستقراطية السعودية.
ورئيستهن أميرة.
اياديهن مخملية. ويعشن في القصور والفيلات. فهل نلومهن إن جهلن واقع المرأة السعودية؟


سيدات الحملة خفِن على نساء المملكة. خفِن على النساء من النساء.
من ناشطات سعوديات، يعشن يوميا واقع المرأة في شرق المملكة وغربها، في شمالها وجنوبها. يعرفن كيف تعاني، يعرفن كيف تعيش مذلة يومية.
لسن اميرات. لحسن الحظ.


ويؤمن أنه من حقهن أن يعاملن كإنسان بالغ راشد.
إنسان.
ليست طفلة المرأة.
ليست قاصر المرأة.
وليست عاراً نغطيه.
ناشطات تعبن من واقع المعاناة والمذلة اليومية.
فطالبن بإلغاء مبدأ الوصاية على المرأة السعودية.


لم يستغربن أن بلدهن هو البلد المسلم الوحيد الذي يمنع المرأة من قيادة السيارة. الا يبدو غريبا ً ان تنفرد السعودية بهذا المذهب الغريب؟ لكنه كان دوما غريبا.
لم يتساءلن لم ينفرد وطنهن بين البلدان الإسلامية، بأن زاد الخناق على المرأة فيه ألف ضعف، فأصبحت المسكينة لا تتحرك دون إذن من ذكر، لا يميزه سوى عضوه الذكري.
فأصبحنا نرى إمرأة في العشرين، ينهرها اخاها إبن العاشرة.


ولي أمري أدرى بأمرها؟
بالله عليكن؟


لم يستغربن أن المرأة في بلدهن لا تستطيع ان تتحرك شبراً دون إذن من وليها. لا يحق لها أن تخرج من بيتها، أن تدرس، ان تذهب إلى المستوصف... دون إذن من ولي أمرها.
وولي أمرها هو أبوها أو اخوها أو أي ذكر في عائلتها حتى تتزوج. ثم يصبح ولي أمرها زوجها حتى يموت أو تموت. يزوجها وهي في العاشرة، يضربها، أو يعنفها، أو... يُحسن معاملتها. هي وحظها.
كالبطيخة، قد تكون ناضجة حمراء تنز حلاوة، أو تعثر، فتكون مُرة، حامضة، مقيتة كالقطران.


يعشن اميرات. والقيود التي تخنق المرأة العادية كل يوم، لا تطبق عليهن.
هل واجهن يوماً رجلاً من هيئةِ كتم أنفاس الخلق؟ لو وقع نظر رجل من الهيئة علي واحدة منهن، لتوارى خوفاً.
فالدين كما تطبقه الهيئة لا يعترف إلا بالقوة. قوة ولي الأمر.
أين من رجالها والدين؟


ولي أمري أدرى بأمري؟
بالله عليكن؟


لم يستغربن. لم يتساءلن.
بل إنزعجن، بسذاجة يحُسدن عليها، تذكرنا بسذاجة ماري إنطوانيت، من مطالب من أحترقت ايديهن بنار الواقع اليومي للمرأة السعودية.
فبعثن برسالة إلى العاهل السعودي، يدعونه إلى الثبات على الظلم.


"من قال إننا في حاجة إلى حقوق؟"
"لا نريد حقوقاً تتنافي مع عاداتنا!"
"كف أيديهن عنا!"
"أقطع السنتهن!"
"ثم أخرس أصواتهن!"
"دعنا كما نحن!"
"كائن في درجة أقرب إلى الحيوان! (مع إحترامي للحيوان)"

والمدهش، أني لم أندهش. لم أندهش من الحملة.
اتعرفن لماذا؟
لأن تاريخ الحركات النسائية المطالبة بحقوق المرأة في كل أرجاء العالم، كان مليئا بحملات شبيهة بحملة "الرجل أدرى بأمري" هذه.
مقابل كل إمرأة ناشطة طالبت بحقوقها، وقفت اكثر من إمرأة تلعنها، بإسم العادات، بإسم التقاليد، وبإسم الدين (أيا كان هذا الدين)، وتُعيب عليها سعيها إلى التغيير.
ليست غريبة هذه الحملة.
تشبه حملة أخرى قامت بها نساء سويسريات في العشرينات ثم في الخمسينات والستينات ضد االمطالبات بحق المرأة في التصويت. هن أيضا لجأن إلى الدين والعادات والتقاليد كذريعة تقف أمام التطور.


حتى في هذه لسنا فريدين.
فالإنسان كما قلت من قبل هو الإنسان.
في حكمته، وقوته.
وفي ضعفه وسذاجته.
هنا أو هناك.
لافرق.

لكن ولي أمري، ليس أدرى بأمري.
فأنا الأحق بشأني.
والأدرى بأمري
حتى وأنا أحني رأسي إجلالاً لأبي.

وصاحبات الحملة يصررن على البقاء قاصرات.
ذاك شأنهن.
لكن من قال إنهن يتحدثن بإسم المرأة السعودية؟

طريق التنوير

هل تذكرون عندما قلت لكم في مقال سابق أني كدت أبتسم من حديث شيخنا الزنداني؟

قلت لكم: “كدت أبتسم”.

لم أقل: “ابتسمت من حديثه”، بل قلت “كدت”،

و”كدت” تضفي على الفعل بعداً غير كامل.

وكان اختياري للفظ متعمداً.

لم أبتسم ساخرة لسبب بسيط هو إدراكي أن ما يقوله الشيخ الزنداني يلقى صدى شعبياً واسعاً.

فكر الشيخ السلفي، وهو فكر ظلامي يعيدنا قهراً إلى قرون ماضية، لا يؤمن بالإنسان، ولا يحترم إرادته، كما لا يؤمن بقبول الغير أياً كان هذا الغير، ناهيك أنه لا يقبل بالمرأة إلا إذا كانت مكفنة، تسمع وتطيع، ولا تملك قرار نفسها، هذا الفكر يتفشى ويلقى القبول على أرض الواقع من قطاعات واسعة من مجتمعنا.

وهذه القطاعات الشعبية لا تفعل ذلك لأنها تريد أن تكون ظلامية التفكير.

أغلبُها يعيش على سليقته،

أغلبُها طيب القلب.

تفعل ذلك لأنها تعتقد أن ما يقوله الشيخ من الدين.

تعتقد ذلك جازمة.

وشعوبنا، يمنية كانت أم عربية، ضعيفة أمام من يرسل لحيته، ويتحدث باسم الدين، ترتعش أمامه، وتنتظر الكلمات أن تخرج من بين شفتيه كي تصدق.

شعوبنا تحب الله،

تبحث عنه بصدق،

وتريد أن ترضيه،

الله لا الشيخ،

ومادام الشيخ يقول “هكذا قال الله”، أفلا يجب عليها السمع والطاعة؟

هل نلومها هي؟

بل نلومه هو، ونواجه فكره، ذاك الذي ينشره بأموال كثيرة وعزيمة لا تكل.

هي معركة فكرية، نتائجها ستحدد من نكون، وما نكون.

لكن كيف ندخلها؟

هذا هو السؤال، وهو سؤال كما لا يخفى عليكم سبق أن طرحه على أنفسهم أسلاف لنا في القرن التاسع عشر، وحاول البعض الرد عليه في بدايات القرن العشرين، ثم انقطعت ألسنتهم، فلم نسمع لهم حساً بعد ذلك.

لكنه سؤال لا نستطيع أن نتفاداه أكثر من ذلك.

سؤال أصبح الرد عليه واجب، لأنه ببساطة سيحدد مصيرنا “إما أن نكون أو لا نكون”.

والرد عليه يستلزم أن نضع أصبعنا على موطن الجرح، وجرحُنا في الوطن!

الوطن لا غيره.

مشكلة الوطن أنه لم يكن ابدأ وطناً لنا.

كان ولا يزال وطناً أعرج، يمشي بين بين، لا يحمي حقوق مواطنيه، لا يسعى إلا متعباً إلى تنمية واقع مجتمعه، ولا يعبر في الواقع إلا عن طموحات أقلية، تبتلع ثرواته ولا تترك للغالبية إلا الرذاذ.

وطن أعرج.

نمشي معه خائفين.

نمشى معه غير آمنين.

نمشي ونحن ندعوه أن يرحم، فلا يرحم.

لم يعرف أبداً النهضة التي كان الحالمون يمنون أنفسهم بها.

لم يعرف أبدأ الإصلاح كما أراده المصلحون.

لم يعرفها لأنها ببساطة عندما بدأت أجُهضت!

بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع شيوخ من أمثال الشيخ محمد عبده ومفكرين من أمثال طه حسين، حاولوا أن يضعوا أسساً جديدة لفكر عقلاني.

ثم لم يكملوا حديثهم.

صمتوا.

أو أصُمتوا.

مد الفكر “القومي” كان كاسحاً.

هديراً أصم الآذان.

فكر يقوم على مبدأ “عرقي”، يقول ب”عروبة” مواطنيه، شاءوا أم أبوا، ويفرضها عليهم كأساس للمواطنة.

لم يؤمن بالحرية، ولم يؤمن بالإنسان.

بل آمن بنفسه.

فصدقته الشعوب فرحة.

كان زمن الأحلام. هل نسيتم؟

نحلم حتى وإن كان الحلم ضريراً..

“سنكون شعباً واحداً، ونحيا رافعي الرأس، ونحتل موقعنا من جديد بين الأمم الراقية”، هكذا كان الحلم.

لكنه كان حلم هرولة.

لم ينجح في الواقع إلا في تأصيل نمط الاستبداد في أنظمتنا السياسية. تحولت كلها إلى ملكيات، جمهورية كانت أو وراثية.

يا خيبة الإنسان.

وخرجنا من مرحلته لاهثين، مذهولين، صفر الأيدي.

وأفقنا على فراغٍ سارع الإسلامُ السياسي إلى ملئه.

اليوم ومع انتشار مد الإسلام السياسي نستشعر وخز الفراغ الذي نعايشه فكراً.

نستشعره لأن فكر النهضة الذي كان يجب أن يُترك لمساره كي يتطور أُجهض.

جنين لم يكتمل.

وطننا لا زال مسخاً مشوهاً لا يعرف ما هويته.

وطننا لا زال أعرجاً، يمشي بين بين، لا هو مدني ولا هو ديني.

وطننا لا زال يبحث عن الفكر الذي يؤسس لوجوده.

وشعوبنا ممزقة تريد أن تحيا، ولا ترى أمامها إلا فكراً يدعوها إلى الموت وهي حية.

وواجبنا أن نقدم لها البديل.

والبديل لا يمشي أعرجاً.

بل على قدمين.

مساران متزامنان يلتقيان ليقدما البديل.

الأول يستلزم فرضاً فصل الدين عن الدولة.

كي تكون دولتنا مدنية، محايدة، قادرة على حماية حقوق مواطنيها، كي تتعامل معهم على قدم المساواة، يجب أن تكون علمانية.

فالدولة ليست كياناً إنسانياًً كي نقول “دين الدولة هو الإسلام”، بل مؤسسة هدفها حماية حقوقنا.

تمعنوا في الكلمات.

مؤسسة وهدفها حماية حقوقنا.

وكي تحمينا عليها أن تتعامل معنا من موقع محايد.

مطلبٌ لا يعيب.

ليس فيه ما يُخجل.

لأنه ببساطة يعيد الدين إلى موضعه الطبيعي، إلى الحيز الشخصي.

تؤمن به أو لا تؤمن، ذاك شأنك الخاص.

والدولة تحمي حقك في أن تكون كما تشاء.

ذاك المسار الأول.

المسار الثاني يوفر الأساس الفكري للأول، فهو الذي سيحدد مصيرنا في الواقع، بدونه لن يكون للأول معنى.

بدونه سيتكرر ما حدث في تونس، فهي علمانية لكنها مستبدة رغم ذلك.

والسبب ببساطة أن نمط الاستبداد، الأصيل في أنظمتنا، قائم جوهراً على تراثنا الفكري الذي ظل عصياً على النهضة.

لا يكفي أن تعمد إلى فصل الدين عن الدولة، ثم تؤسس كيانك المجتمعي في الوقت ذاته على فكر ديني لم تمسه يد الإصلاح.

إصلاح الدين هو المسار الثاني.

وإصلاحه يجب أن يكون جوهرياً.

يدخل إلى اللب.

لا يكتفي بالقشور.

لا يكتفي بالترقيع والترميم.

بل يبدأ بطرح الأسئلة الجوهرية.

يبدأ بالبحث في طبيعة النص الديني نفسه، قرآنيا كان أم سنياً، والفصل بينه وبين الإيمان بالله، كي نتمكن من دراسته والبحث فيه ضمن إطاره التاريخي، دون خوف، دون رعب، ودون شبح التخويف بأننا ننال من المقدس.

لا إصلاح حقيقي للدين دون مواجهة هذا البعبع.

بدونه لن نتمكن من وضع أساس فكري جديد يحترم الإنسان وإرادته.

بدونه نظل نلف وندور حول أنفسنا، كما نفعل منذ قرون، نخشى أن نواجهه، ونفسح في الوقت ذاته المجال للفكر الديني السلفي، بكل جهله وخرافاته، كي يزيحنا هو من وجهه، ويستفرد بالعقول.

وقد كاد أن يفعل.

و”كاد” يضفي على الفعل بعداً غير كامل!

وطن أعرج،

وبعبع يخيفنا جميعاً.

الوطن نبنيه كي نتنفس فيه،

والبعبع نصرخ فيه “لست سوى بعبع” رغم الفزع.

نسعى إليهما حافين،

نسعى إليهما مخلصين،

بالعقل، بالفكر، وبالكلمة،

كي نحيا،

كي نحيا،

ولو بعد قرون