أمة ٌ تكره؟
لا تؤمن بالإنسان.
لا تؤمن بالحرية.
و لا تحب.
تكره.
ثم تدعو إلى القتل.
لمَ لا تحُب؟
وإلى أن يأتي يوما تقدرُ فيه على الحب، أهديكما زهرة... بدلا من رصاصة.
---
الكراهية هي عنوان قراءة الإسلام السياسي لتاريخ بلداننا العربية.
كراهية.
وعمياء.
لاتهتم كثيراً بحقائق التاريخ. في الواقع لا ترى داعياً للعودة إلى التاريخ. بل تختلقه إختلاقا، ثم تقدمه لكما، على ورق سوليفان، في طبق فضة، وتؤكد لكما أن التاريخ كان دوماً هكذا. وعليكما، عزيزي الشاب، عزيزتي الشابة، عليكما أن تصدقاه، شئتما أم ابيتما. وإذا ترددتما، إذا قررتما أن تستخدما خلايا عقلكما كما اراد الله لها ان تُستخدم، اعني في التفكير، تصبحان تلقائيا... ملعونان.
فمن لا يصدق الداعين إلى الإسلام السياسي يصبح مكروهاً.
فلا تصدقا.
والأمة هي من جديد المحور لهذه القراءة للتاريخ. يصر عليها فرحين مروجو فكر الإسلام السياسي، وشيوخ بلحيات حمراء، بيضاء، او سوداء، لايهم.
تماماً كما لن يهم كثيراً إذا كانوا سلفيين أو من المتحزبين لله، فالإثنان يتفقان على تقسيم العالم إلى دارين، دار حرب ودار سلام. يقف فيها العالم منقسماً إلى معسكرين: أمة إسلامية، واعداء هذه الأمة.
الأولى ضحية تدافع عن نفسها، والثانية عدوة تكره هذه الأمة.
لكن الطريف، أنهما حتى وهما يروجان لمفهوم الأمة، سيختلفان على طبيعتها.
السلفيون سيقولون إنها إمة سنية، وحبذا لو كانت حنبلية، والأخوان سيطبلون من بعدهم، وعلى رأسهم شيخهم القرضاوي. وشيخ المتحزبين لله، سيرى أنها أمة إسلامية، وسيغض الطرف عن "الإنقسام الطائفي"، لأن "المعركة اكبر من هذه الإنقسامات"، وإن كان لن يمانع كثيراً لو اضفي عليها مسحة "شيعية".
لكن الإثنان سيتفقان على ان "الكافرين" "يستهدفون الأمة الإسلامية"، وأنهم (أي الكافرين)"جندوا لذلك جنوداً متعددة وأجندة متنوعة"، وسعوا بكل ما يستطيعون من قوة إلى أن "يجعلوا المسلمين أقساما متفرقة، وأصنافاً متناحرة، وألواناً متباينة، مستهدفين من خلال ذلك المتمسكين بدينهم".
التاريخ وفقا لهذه الرؤية صيرورة... سلسلة لا تنقطع من الأزمات تعاني منها الأمة.
والأمة دوما ضحية، يستهدفها الأغراب، مسكينة، عانت ولازالت تعاني، من حقد الغريب، كراهيته، ذاك الذي يسعي إلى تدميرها وسحقها سحقاً.
كأن العالم لم يجد غيرننا ليكرهه.
ونحن؟
لا علاقة لنا بالتاريخ. لسنا مسؤولين. كأننا غرباء عن صناعة التاريخ.
وسيقولون أن كل ما نحاول فعله أمس واليوم وغداً لا يزيد عن "الدفاع عن أنفسنا". ولذا "من حقنا أن نقتل ذلك الغريب".
فإنتبها لقراءة الإسلام السياسي للتاريخ. لأنه في الواقع يدفعكما دفعاً إلى القتل، يحولكما إلى مجرمين، بدعوى الدفاع عن "فكرة" إختلقها ثم صدقها.
----
ثم يصرون على أننا أخوه، وينسون وجود الأخوات.
وهذه فاصلة.
ثم يؤكدون على أن الأخوة التي تجمعنا لها لون واحد لا غير.
إما سني حنبلي، او أخواني مسلم، أو شيعي متحزب.
لا يؤمنون بالتعددية، بل يرفضونها رفضاً، ويعتبرون أن تنوع المجتمعات العربية، بين مذاهب واديان وأعراق ولغات مختلفة، أمر مشين، أمر سيء.
و لذلك يكرهون الديمقراطية.
أفضل نظام سياسي وصلت إليها البشرية، يعتبروه بدعة كافرة.
ولو قبلوه فبشروط. وشروطهم تنسف مفهوم الديقراطية من اساسه.
ما يريدونه هو حكم ديني مستبد. حكم بشر، يستخدم الدين كغطاء وذريعة.
لا يحميكَ ولا يحميكِ.
بل ينتهك آدميتكما.
كل ما عليكما فعله هو أن تنظرا إلى نماذج الحكم الديني التي جربناها في تاريخنا الحديث:
طالبان في أفغانستان، حكم المؤسسة الدينية في السعودية وإيران، حكم الشباب المسلم في الصومال، هذا عدا عن الحكم الديني في السودان منذ عهد النميري،
وستدركان أنها والحرية على طرفي نقيض.
الحرية لا مكان لها في رؤية الإسلام السياسي.
حرية الإنسان.
في أن يكون كما يشاء.
----
والتعدد يُعتبر هو الآخر خطيئة.
ومن كان مختلفا، هكذا يرون، يصبح عدواً للأمة.
ولذلك عندما يقرأون التاريخ يحولونه إلى قصة لا علاقة لها بالتاريخ.
سيقولون لكما ان الإسلام كان دائماً واحداً.
رغم أن الأسلام كان دائما متعددا:
متعدداً في المذاهب والفرق: بين سني وشيعي وصوفي، وزيدي وعلوي ودرزي. هذا عدا ان مجتمعاته كانت دائما متعددة في الأديان واللغات والأعراق. أين مكان المسيحية واليهودية و الصابئة والأكراد والأمازيغ من هذه القراءة؟ وفقاً لهذه الرؤية هم ذميون أو فرق ضالة، وكلهم لم يعانوا تمييزاً في مجتمعاتهم، بالعكس، هي تصر على أنهم عاشوا سعيدين راضين مبتهجين في ظل حكم "الدولة الإسلامية". كأن التمييز والتجريح لم يكن، وكأن المذابح التي طالت علويين ومسيحييين ويهود لم تكن. التاريخ كما يقرأوه هنا لا علاقة له بحقائق التاريخ.
ومتعدداًً في العادات والتقاليد: هل لاحظتم الفرق بين إسلام إندونيسيا وإسلام نجد في المملكة السعودية؟
فرق شاسع.
إسلام إندونيسيا، على الأقل قبل أن يمتد إليه مد التأسلم الشعبي والإسلام السياسي، عَكس الطبيعة الأموية الحنونة (من الأم) لمجتمعاته، في حين أن إسلام نجد يُظهر وجهاً قبلياً أبوياً متجهماً، وجهٌ لفحته صحراء قاسية.
فكل مجتمع يتبنى الدين، أيَ دين، ثم يغيره وفقاً لطبيعة الإنسان في هذا المجتمع. ولذا تجدين أيتها العزيزة أن المذهب المالكي السني في الكويت يختلف في مواقفه تجاه المرأة عن المذهب المالكي السني في المغرب. الأول تشّرب بمواقف العشيرة المتشددة من المرأة، والثاني عكس المرونة المنفتحة للمجتمع المغربي المتنوع.
هذه واحده.
----
وسيقولان لكما أن تاريخ الإسلام منذ بداياته أي منذ عهد الرسول الكريم إلى عهد الخليفة الرابع عثمان بن عفان، كان تاريخاً نقياً، واحداً هو الأخر. وسيمرون مرور الكرام على الحروب التي عصفت به، وإذا مروا بها سيفعلون ذلك للتأكيد على أن الصراع كان دائماً بين خيرٍ وشر. وهدفهم في النهاية أن يعودوا بنا إلى ذلك الزمن. يقولون لكما أن هذا الزمن كان نقياً طاهراً، كي يقنعاكما بضرورة العودة بحياتنا إلى تلك الفترة. فلو كان غير ذلك، لأصبح الحديث عن إعادته في زمننا هذا ضرباً من العبث.
وفي الواقع، عزيزي الشاب عزيزتي الشابة، لم يكن ذلك التاريخ نقياً. كما لم يكن واحداً، تماماً كما أن الصراع لم يكن بين خيرٍ وشر.
كان ببساطة تاريخاً إنسانياً.
إنسانياًَ.
عكسته طبيعة الإنسان في تلك الفترة، وطبيعة المرحلة التاريخية التي مر بها.
ولأنه كذلك، تخللته حروب كثيرة، لم يكن الدين فيها إلا هامشاً. في الواقع كانت تلك الحروب قبلية عشائرية، بين بني هاشم وبين بني أمية، بين قريش وبين والأوس والخزرج، وبين هؤلاء وقبائل اليمن.
وكانت الحروب القبلية تهدف إلى حسم أمر واحد فقط، مَنْ مِن هذه القبائل او العشائر سيتحكم في السلطة. الصراع كان على السلطة. لا على الدين. ولذا تقاتلوا وتنازعوا وتناحروا، ولم يمت في فراشه سوى الخليفة أبو بكر الصديق.
الصراع كان دوماَ على السلطة.
اكررها كي ترسخ.
ولذلك ستجدين كما ستجدْ أن ما يسمونه في كتب تاريخنا "حروب الردة"، التي حدثت في عهد الخليفة الصديق، لم يشنها الخليفة لأن القبائل اليمنية رفضت "الإيمان" برسالة الرسول الكريم. في الواقع تلك القبائل قالت إنها مؤمنة برسالة الرسول الكريم. لكنها رفضت "الإعتراف" بسلطة الصديق. وكان هذا حاسماً. ثم اعتبرت ان أبنائها احق بالزكاة التي طالبها بها الخليفة. فحوربت. ولم يكن غريباً ان تجد من رفض هذه الحروب وأعتبرها خطأً. وأول من اعترض عليها هو عمر بن الخطاب.
الصراع إذن كان دوماً على السلطة. والدين كان هامشاًَ. فمن تحاربوا كانوا كلهم يؤمنون برسالة النبي الكريم. فعلام كان القتال إذن؟
ولذا فإن الدعوة إلى العودة إلى عهد السلف الكريم تبدو غريبة حقاً. هل نريد العودة إلى عهد مزقته الحروب والنزاعات؟ ثم إن هذا العهد كان يعكس واقع مجتمع شبه الجزيرة العربية الصحراوي في القرن السابع الميلادي.
واقع كان القتل فيه والغزو وسبي النساء جزءاً من الحياة اليومية.
واقع يرتبط بتاريخه.
هو جزء من تاريخي فلن أنكره.
اتعامل معه من ضمن معطياته.
لا أحكم عليه بمعاييرنا اليوم.
لكني ادين من يدعو إلى العودة إليه اليوم في واقعنا الحالي. فالقتل والغزو وسبي النساء لا محل له اليوم في مجتمعاتنا المدنية الحديثة.
هو إنتهاك لحق الإنسان في الحياة والكرامة والأمان.
لكنهم يسمون "القتل والغزو وسبي النساء" "جهاداً".
و"المجاهد" هنا يدافع عن "الأمة".
فإنتبها لما يطالبانكما به.
وهذه الثانية.
----
الثالثة، ترتبط برؤية الإسلام السياسي للدولة. فهو مقتنع أن الدولة "إسلامية"، و"لا حدود لها". ولو تُرك الأمر له، فإن حدودها هي العالم بأسره. ولذا سيصرخ في وجهكما:" لا تحدثني عن إنتماءك الوطني، حدثني هنا عن إنتماءك الديني! الوطن إنساه. وتذكر أننا مسلمون أولاً، وأخيراً".
الوطن لا يهم كثيرا.
"طز في الوطن"، هكذا قالها مرشد الأخوان في مصر مرة.
فإنتبها لما يقوله.
والأسلام هنا، ذاك الذي يجمع تلك الأمة في كيان واحد، كالعادة، لونه واحد، صوته واحد، ورائحته واحدة.
ياالله يخنقني برائحته.
متطرف، متطرف.
متجهم متجهم.
متعنت متعنت.
معجون بالكراهية.
كراهية الآخر، أياً كان هذا الاخر.
ولذا يكاد يكره نفسه.
وأكاد اجزم أنه لو نزل الرسول الكريم من السماء اليوم، وقال إن الدين كما يفسروه لا علاقة له برسالته، لأعتبروه كافراً.
فأحذرا، وحاذرا، وتمعنا فيما يقولوه لكما.
قراءة الإسلام السياسي للتاريخ تصر على أننا أمة، أمة تحارب.
وترفض أن ترانا كما نحن، متعددين.
وتصر أن لا إرادة للإنسان.
ثم تتعمد قتل حرية هذا الإنسان.
والمحك أنها تؤكد مراراً وتكراراً أن الهوية هي الدين.
لسان حالها: "أنت مسلم أولاً وأخيراً". كررته علينا على مدى العقود الماضية حتى صدقها الكثيرون.
لكن الدين لم يكن يوماً هوية، ايها العزيزان.
الدين لم يكن يوماً هوية.
بل الدين إختيار.
أنا أختار هذا الدين او غيره كي أنظم علاقتي الروحانية مع الخالق. وقد لا اختار أن أدين بأي دين. هي طريقة. ليست هوية.
ولذا لا تسموني مسلمة، فالدين ليس هويتي. بل وسيلتي إلى الخالق.
والهوية معقدة، متشابكة، لكن روحها إنسان.
الهوية إنسان.
إنسان.
إنسان يحب.
لا يكره.
فأبحثا عنه فيكما، وستفهمان.
---
هناك قراءة ثالثة لتاريخ منطقتنا، قراءة إنسانية، أسردها عليكما في المقال التالي.
الجمعة، 12 فبراير 2010
الجمعة، 29 يناير 2010
لأن الأمة لم توجد قط!
"كلما جاءوا إلى الدكان، تخاصمنا!"
قالها لي منزعجاً. قالها لي متألماَ.
وأبنتي تسألني، لم يشترون من دكانه ما داموا يتخاصمون معه كل مرة؟ وسؤألها في الواقع هو المحك.
مُحدثي يعمل في مطعم صغير لبيع ساندوتشات الدونّر كباب التركية، تشبه الشوارمة، لكن كمية اللحم فيها مخيفة، قنبلة من السعرات الحرارية، لكني أحبها رغم ذلك. أذهب وإبنتي إليه من وقت إلى أخر. فنتحادث. فمادام لساننا عربياً، سيكون من الغريب أن لا نتحدث.
ومُحدثي شاب عراقي. عراقي شيعي. هرب من جحيم الحرب في العراق، عندما كانت الحرب المذهبية لا زالت مستعرة. عراقي سني يقتل عراقي شيعي، وعراقي شيعي يقتل عراقي سني. وهو على قناعة أنه على الرغم من كل الأزمات التي حدثت في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين الديكتاتوري، فإنها تظل أفضل ألف مرة من حكم الرئيس السابق صدام حسين.
محدثي هرب من الموت والحرب. لكنه يظل مصراً على موقفه. هكذا يشعر.
ومن يخاصموه عرب. هكذا وصفهم. سنيون. هكذا وصفهم. يأتون إليه كل مرة، كي يتخاصموا معه. يشترون الساندويتشات، يدفعون ثمنها، ويلعنونه وهم يفعلون ذلك!
لكن، إنتبها لما أقوله الآن، خصامهم كان حول وصف الحرب ب"المذهبية". مخاصموه يصرون أن "أمريكا هي التي زرعت الفرقة والمذهبية في العراق"، وأنها "اشعلت الحرب المذهبية أو الطائفية عامدة متعمدة"، و"ان المذهبية طاريء جديد علي المنطقة".
وينزعجون منه دائما، ويودون دوماً لو يخنقوا صوته عندما يقول "كنا دوما منقسمين"، و"أمريكا ليست من زرع المذهبية والطائفية"، بل "كانت دوما فينا"!
هذه قراءتان للتاريخ. قراءة "مخاصمي محدثي"، تصف موقف اغلبية في المنطقة العربية، تصر على أن تقرأ التاريخ بعيداً عن الحقائق التاريخية لما حدث فعلاً على أرض الواقع. والثانية، قراءة محدثي، التي تعكس رؤية لأقلية أو أغلبية مهمشة تعرف دوما أن الأنقسام كان موجوداً، وأنه لم مزروعاً من قوى خارجية، بل هو خصيصة تميز هذه المنطقة ومجتمعاتها، لكنها هي أول من عاني بسبب القراءة الأولى للتاريخ.
-----
كيف نقرأ التاريخ؟
عندما قلت لكما في المقال السابق أن "الأمة لم توجد قط"، ظن بعض منكما أني أمزح. لست جادة، أو لعل بعضكما همس في نفسه، "هاهي تغالط التاريخ من جديد". وفي الواقع أنا جادة تماماً فيما أقول. فالأمة لم توجد إلا في ذهن من قرأ التاريخ وفقاً لهواه، ورفض أن يراها على تعدديتها و تنوعها. تعددية تجعل من الحديث عن أمة عبثاً.
أعود وأطرح السؤال من جديد "كيف نقرأ التاريخ؟"
قراءة مخاصمي محدثي، هي في الواقع القراءة الرسمية لكثير من الدول العربية، تلك التي نقرأها في كتب تاريخنا.
هل قرأتي تاريخاً للأقباط في التاريخ الذي يُدرس في صفوفنا المدرسية في مصر؟ أي والله لهم تاريخ، تاريخ عريق، وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ مصر نفسها، وعمره خمسمائة عام! هل تعرفين شيئاً عنه؟
وهل قرأتَ تاريخاً أو رؤية للدين تعترف بوجود الشيعة في المملكة العربية السعودية؟ كيف يسمونهم في الكتب المدرسية السعودية؟ رافضة! ومصيرهم النار!
وغالبا عندما نتحدث عن المملكة نراها بوجة متجهم سلفي. لكن لو أزلت ذلك القناع سترى تعددية ملونة، بين طوائف سنية شافعية وغيرها صوفية، إضافة إلى الحنبلية الوهابية، وأخرى شيعية جعفرية وإسماعيلية وزيدية. تعددية، تعكس تعدد المناطق التي تتشكل منها المنطقة. لكن القراءة الرسمية للتاريخ في المملكة لاتعترف بهذه التعددية. كأن سكان المملكة لم يكونوا!
وهل قرأتما كتب التاريخ في اليمن، شمالاً أو جنوباً ثم يمناً واحداً؟ كلها كانت ولا زالت تصر على أن ألوان المجتمع المذهبية غير موجودة، شافعية وزيدية وصوفية وإسماعيلية، وأنقسامها القبلي ليس سوى تفصيل. وإذا لم تعترف بوجود هؤلاء كيف ستبني دولة تقوم على مفهوم المواطنة؟ فأساس مفهوم المواطنة، أنك تدرك أن هناك تنوع وإختلاف، تحترمه، وتصر في الوقت ذاته أن الوطن يجمع الكل في بوتقة واحدة. كن ما تكون، في النهاية أنت مواطن.
وماذا عن كتب التاريخ في سوريا؟ هل هناك أي ذكر لوجود الأقلية الكردية؟ أو تاريخ الكنيسة الشرقية بتعدد مذاهبها، ثم ماذا عن تاريخ الطائفة العلوية والدرزية؟ هل يشار إليها في سوريا؟ مجرد الإشارة إليها من فم شخص حسن النية ستودي به إلى السجن.
ولا تنسيا الأمازيغ (البربر كما هي التسمية الشائعة) في بلدن شمال إفريقيا، السكان الأصليين في تلك البلدان، هل تاريخُهم أيضاً يدرس ضمن التاريخ الرسمي لتلك الدول؟
و الأقلية اليهودية؟ تلك التي كانت جزءا من نسيج مجتمعاتنا، ثم طردنا أغلبها بعد تأسيس إسرائيل؟ لو قيل لكما أنهم خرجوا بمحض إرادتهم لأنهم طابور خامس، كما قيل لي من سابق، انصحكما بقراءة كتب تاريخ المنطقة بلغات أخرى غير العربية، وحبذا لو عدتم إلى أرشيف الصحف العربية التي كانت تصدر في تلك المرحلة التاريخية. ستجدون أن أغلبية من الأقلية اليهودية طُردت من أوطانها، وأجُبرت على ترك الغالي والرخيص، وأن من أجبرهم على ذلك هي الدول العربية نفسها وأنظمتها الحاكمة القائمة آنذاك.
بعض هذه الأقلية اليهودية لازال موجودأً في بلداننا. في سوريا، في لبنان، في مصر، في المغرب، في تونس، وبالطبع في اليمن. تصر أنها منا، وأن أوطاننا أوطانها، رغم رفض الأوطان و المجتمعات لها. أي وجود حزين هذا يارب؟ هل نعترف بوجودها؟
لا حظا أني في كل حديثي هذا لا اجد اية مشكلة من وجود هذه التعددية في مجتمعاتنا. ليست مصدراً للفرقة والبلبلة. بل أعتبرها ضرورية.
لأن التعدد والتنوع كان دوماً سمة إنسانية.
كل منا له رأي، أو دين، او مذهب، عرق، او لغة، أو جنس، أو لون.
وهذا التنوع ضروري، بحكم أننا بشر، ولأن الإنسان ولد حراً. هو بالطبع لم يختار العرق أو الجنس أو اللون الذي ولد به. وغالباً ما سيتحدث بلغة محيطه. لكن هذه الخصائص الطبيعية لا تعد إنتقاصاً في شخصه.
هو وهي هكذا.
ولدا هكذا.
وهكذا أقبلهما.
أقبلهما بلا تحفظ.
لا أرى فيهما سوى الإنسان.
بتنوعهما.
وأحترمهما.
أيضاً بلا تحفظ.
وبلا شروط.
لإنهما إنسان. مثلي. مثلكما.
وهما، مثلكما، ولدا أحرارا.
وحريتهما تستلزم إختيارهما للدين الذي يرغباه، وللمذهب الذي يشاءاه، أو للرأي والموقف الذي يفضلاه. في الواقع حريتهما تستلزم حقهما في عدم إختيار أي دين إذا أرادا.
لا أرى مشكلة في هذا التعدد، وأُدين في الوقت ذاته تلك القراءة الرسمية للتاريخ في الكثير من دولنا العربية، لأنها ببساطة لا تريد أن تعترف أن مواطنيها متعددون، وأنهم متساوون أمام قوانينها رغم هذا التعدد.
وتصر على منظور يقول بأن الدولة لها هوية دينية، غالباً ما تكون مسلمة سنية (او غير سنية وتخشى من السنة)، وفي الأغلب تحولت إلى حارس شخصي لمصالح فئة دينية، مذهبية، او قبلية، ولأنها كذلك فإنها ببساطة تفتقد إلى الشرعية، خاصة في نظر مواطنيها "الآخرين" ممن يريدونها أن تكون ممثلة لهم هم أيضا.
يريدونها دولة محايدة.
دولة مواطنين، متساويين أمام القانون بغض النظر عن دينهم مذهبهم قبيلتهم جنسهم عرقهم أو لونهم. أهو كثير ما يطالبون به هنا؟
لاحظا أن هذه القراءة الرسمية للتاريخ لا تقول بالضرورة أن هناك أمة، إسلامية أو عربية. هي فقط لا تعترف بتعدد مجتمعاتها. لكن معظم الدول العربية مدركة تماماً لمعطيات الواقع المجتمعي والسياسي في المنطقة، وأنها دول، ليست جزءاً من أمة، عربية أو إسلامية، وتدري أنها في سياساتها ستتبع حتماً ما تمليه عليه مصالحها الإستراتيجية، كدول ذات سيادة ولها حدود. معظم الدول العربية تدرك ذلك وتمارسه عملياً.
في المقابل، هناك قراءة ثانية للتاريخ.
قراءة الإسلام السياسي.
هي ايضاً ترفض التعددية لكن من منطلق مختلف.
وهي أيضا تقرأ التاريخ كأن التاريخ لم يحدث فعلاً.
قراءة محورها الأمة... أمة تكره!
ولأنها تكره، تدعوكما إلى القتل.
أسرد قراءتها عليكما في المقال القادم.
قالها لي منزعجاً. قالها لي متألماَ.
وأبنتي تسألني، لم يشترون من دكانه ما داموا يتخاصمون معه كل مرة؟ وسؤألها في الواقع هو المحك.
مُحدثي يعمل في مطعم صغير لبيع ساندوتشات الدونّر كباب التركية، تشبه الشوارمة، لكن كمية اللحم فيها مخيفة، قنبلة من السعرات الحرارية، لكني أحبها رغم ذلك. أذهب وإبنتي إليه من وقت إلى أخر. فنتحادث. فمادام لساننا عربياً، سيكون من الغريب أن لا نتحدث.
ومُحدثي شاب عراقي. عراقي شيعي. هرب من جحيم الحرب في العراق، عندما كانت الحرب المذهبية لا زالت مستعرة. عراقي سني يقتل عراقي شيعي، وعراقي شيعي يقتل عراقي سني. وهو على قناعة أنه على الرغم من كل الأزمات التي حدثت في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين الديكتاتوري، فإنها تظل أفضل ألف مرة من حكم الرئيس السابق صدام حسين.
محدثي هرب من الموت والحرب. لكنه يظل مصراً على موقفه. هكذا يشعر.
ومن يخاصموه عرب. هكذا وصفهم. سنيون. هكذا وصفهم. يأتون إليه كل مرة، كي يتخاصموا معه. يشترون الساندويتشات، يدفعون ثمنها، ويلعنونه وهم يفعلون ذلك!
لكن، إنتبها لما أقوله الآن، خصامهم كان حول وصف الحرب ب"المذهبية". مخاصموه يصرون أن "أمريكا هي التي زرعت الفرقة والمذهبية في العراق"، وأنها "اشعلت الحرب المذهبية أو الطائفية عامدة متعمدة"، و"ان المذهبية طاريء جديد علي المنطقة".
وينزعجون منه دائما، ويودون دوماً لو يخنقوا صوته عندما يقول "كنا دوما منقسمين"، و"أمريكا ليست من زرع المذهبية والطائفية"، بل "كانت دوما فينا"!
هذه قراءتان للتاريخ. قراءة "مخاصمي محدثي"، تصف موقف اغلبية في المنطقة العربية، تصر على أن تقرأ التاريخ بعيداً عن الحقائق التاريخية لما حدث فعلاً على أرض الواقع. والثانية، قراءة محدثي، التي تعكس رؤية لأقلية أو أغلبية مهمشة تعرف دوما أن الأنقسام كان موجوداً، وأنه لم مزروعاً من قوى خارجية، بل هو خصيصة تميز هذه المنطقة ومجتمعاتها، لكنها هي أول من عاني بسبب القراءة الأولى للتاريخ.
-----
كيف نقرأ التاريخ؟
عندما قلت لكما في المقال السابق أن "الأمة لم توجد قط"، ظن بعض منكما أني أمزح. لست جادة، أو لعل بعضكما همس في نفسه، "هاهي تغالط التاريخ من جديد". وفي الواقع أنا جادة تماماً فيما أقول. فالأمة لم توجد إلا في ذهن من قرأ التاريخ وفقاً لهواه، ورفض أن يراها على تعدديتها و تنوعها. تعددية تجعل من الحديث عن أمة عبثاً.
أعود وأطرح السؤال من جديد "كيف نقرأ التاريخ؟"
قراءة مخاصمي محدثي، هي في الواقع القراءة الرسمية لكثير من الدول العربية، تلك التي نقرأها في كتب تاريخنا.
هل قرأتي تاريخاً للأقباط في التاريخ الذي يُدرس في صفوفنا المدرسية في مصر؟ أي والله لهم تاريخ، تاريخ عريق، وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ مصر نفسها، وعمره خمسمائة عام! هل تعرفين شيئاً عنه؟
وهل قرأتَ تاريخاً أو رؤية للدين تعترف بوجود الشيعة في المملكة العربية السعودية؟ كيف يسمونهم في الكتب المدرسية السعودية؟ رافضة! ومصيرهم النار!
وغالبا عندما نتحدث عن المملكة نراها بوجة متجهم سلفي. لكن لو أزلت ذلك القناع سترى تعددية ملونة، بين طوائف سنية شافعية وغيرها صوفية، إضافة إلى الحنبلية الوهابية، وأخرى شيعية جعفرية وإسماعيلية وزيدية. تعددية، تعكس تعدد المناطق التي تتشكل منها المنطقة. لكن القراءة الرسمية للتاريخ في المملكة لاتعترف بهذه التعددية. كأن سكان المملكة لم يكونوا!
وهل قرأتما كتب التاريخ في اليمن، شمالاً أو جنوباً ثم يمناً واحداً؟ كلها كانت ولا زالت تصر على أن ألوان المجتمع المذهبية غير موجودة، شافعية وزيدية وصوفية وإسماعيلية، وأنقسامها القبلي ليس سوى تفصيل. وإذا لم تعترف بوجود هؤلاء كيف ستبني دولة تقوم على مفهوم المواطنة؟ فأساس مفهوم المواطنة، أنك تدرك أن هناك تنوع وإختلاف، تحترمه، وتصر في الوقت ذاته أن الوطن يجمع الكل في بوتقة واحدة. كن ما تكون، في النهاية أنت مواطن.
وماذا عن كتب التاريخ في سوريا؟ هل هناك أي ذكر لوجود الأقلية الكردية؟ أو تاريخ الكنيسة الشرقية بتعدد مذاهبها، ثم ماذا عن تاريخ الطائفة العلوية والدرزية؟ هل يشار إليها في سوريا؟ مجرد الإشارة إليها من فم شخص حسن النية ستودي به إلى السجن.
ولا تنسيا الأمازيغ (البربر كما هي التسمية الشائعة) في بلدن شمال إفريقيا، السكان الأصليين في تلك البلدان، هل تاريخُهم أيضاً يدرس ضمن التاريخ الرسمي لتلك الدول؟
و الأقلية اليهودية؟ تلك التي كانت جزءا من نسيج مجتمعاتنا، ثم طردنا أغلبها بعد تأسيس إسرائيل؟ لو قيل لكما أنهم خرجوا بمحض إرادتهم لأنهم طابور خامس، كما قيل لي من سابق، انصحكما بقراءة كتب تاريخ المنطقة بلغات أخرى غير العربية، وحبذا لو عدتم إلى أرشيف الصحف العربية التي كانت تصدر في تلك المرحلة التاريخية. ستجدون أن أغلبية من الأقلية اليهودية طُردت من أوطانها، وأجُبرت على ترك الغالي والرخيص، وأن من أجبرهم على ذلك هي الدول العربية نفسها وأنظمتها الحاكمة القائمة آنذاك.
بعض هذه الأقلية اليهودية لازال موجودأً في بلداننا. في سوريا، في لبنان، في مصر، في المغرب، في تونس، وبالطبع في اليمن. تصر أنها منا، وأن أوطاننا أوطانها، رغم رفض الأوطان و المجتمعات لها. أي وجود حزين هذا يارب؟ هل نعترف بوجودها؟
لا حظا أني في كل حديثي هذا لا اجد اية مشكلة من وجود هذه التعددية في مجتمعاتنا. ليست مصدراً للفرقة والبلبلة. بل أعتبرها ضرورية.
لأن التعدد والتنوع كان دوماً سمة إنسانية.
كل منا له رأي، أو دين، او مذهب، عرق، او لغة، أو جنس، أو لون.
وهذا التنوع ضروري، بحكم أننا بشر، ولأن الإنسان ولد حراً. هو بالطبع لم يختار العرق أو الجنس أو اللون الذي ولد به. وغالباً ما سيتحدث بلغة محيطه. لكن هذه الخصائص الطبيعية لا تعد إنتقاصاً في شخصه.
هو وهي هكذا.
ولدا هكذا.
وهكذا أقبلهما.
أقبلهما بلا تحفظ.
لا أرى فيهما سوى الإنسان.
بتنوعهما.
وأحترمهما.
أيضاً بلا تحفظ.
وبلا شروط.
لإنهما إنسان. مثلي. مثلكما.
وهما، مثلكما، ولدا أحرارا.
وحريتهما تستلزم إختيارهما للدين الذي يرغباه، وللمذهب الذي يشاءاه، أو للرأي والموقف الذي يفضلاه. في الواقع حريتهما تستلزم حقهما في عدم إختيار أي دين إذا أرادا.
لا أرى مشكلة في هذا التعدد، وأُدين في الوقت ذاته تلك القراءة الرسمية للتاريخ في الكثير من دولنا العربية، لأنها ببساطة لا تريد أن تعترف أن مواطنيها متعددون، وأنهم متساوون أمام قوانينها رغم هذا التعدد.
وتصر على منظور يقول بأن الدولة لها هوية دينية، غالباً ما تكون مسلمة سنية (او غير سنية وتخشى من السنة)، وفي الأغلب تحولت إلى حارس شخصي لمصالح فئة دينية، مذهبية، او قبلية، ولأنها كذلك فإنها ببساطة تفتقد إلى الشرعية، خاصة في نظر مواطنيها "الآخرين" ممن يريدونها أن تكون ممثلة لهم هم أيضا.
يريدونها دولة محايدة.
دولة مواطنين، متساويين أمام القانون بغض النظر عن دينهم مذهبهم قبيلتهم جنسهم عرقهم أو لونهم. أهو كثير ما يطالبون به هنا؟
لاحظا أن هذه القراءة الرسمية للتاريخ لا تقول بالضرورة أن هناك أمة، إسلامية أو عربية. هي فقط لا تعترف بتعدد مجتمعاتها. لكن معظم الدول العربية مدركة تماماً لمعطيات الواقع المجتمعي والسياسي في المنطقة، وأنها دول، ليست جزءاً من أمة، عربية أو إسلامية، وتدري أنها في سياساتها ستتبع حتماً ما تمليه عليه مصالحها الإستراتيجية، كدول ذات سيادة ولها حدود. معظم الدول العربية تدرك ذلك وتمارسه عملياً.
في المقابل، هناك قراءة ثانية للتاريخ.
قراءة الإسلام السياسي.
هي ايضاً ترفض التعددية لكن من منطلق مختلف.
وهي أيضا تقرأ التاريخ كأن التاريخ لم يحدث فعلاً.
قراءة محورها الأمة... أمة تكره!
ولأنها تكره، تدعوكما إلى القتل.
أسرد قراءتها عليكما في المقال القادم.
الثلاثاء، 19 يناير 2010
أمة؟
في البدء كانت الكلمة!
والكلمة كانت إنسان!
والإنسان لا يكره!
.....
دعوني أقص عليكما حكاية قديمة!
حكاية حكيناها ألف مرة، كل قرن، كل عقد، وكل سنة.
نخط سطوراً وكلمات جديدة، ومضمونها ظل هو هو. لا يتغير. كأن قدرنا أن نحيا حياة لا تتغير فصولها.
المضمون كان في كلمة واحدة: "أمة".
هل تذكران؟
كانت "أمة إسلامية"، ثم تحولت إلى "أمة عربية"، ثم عادت لتصبح "إسلامية" من جديد.
لكن هل وجُدت هذه الأمة فعلاً؟
لو طرحت عليكما هذا السؤال، عزيزي الشاب، عزيزتي الشابة، لما ترددتما في الرد: "بالطبع توجد هذه الأمة"!
ستقولان:"هناك امة، وهي إسلامية. هذه حقيقة ساطعة كالشمس".
وغيركما في الأمس القريب كان سيقولان:" بالطبع توجد أمة، وهي عربية، تمتد من بغداد إلى الرباط، هذه حقيقة ساطعة كالشمس".
لكني تمنيت عليكما أن تتحليا بملكتي الشك والصبر معاً.
أن تشكا كثيراً في "الحقائق الساطعة كالشمس"، التي لا تسطع إلا لتغيب بالكذب.
شكا في كل ما يقال لكما، في كتب التاريخ، وفي خطب المساجد، وفي أحاديث شيوخنا، خاصة ذاك الذي يُحني لحيته بالحناء. يعرف نفسه فلا تبتسما.
فليس كل مالقنوه لكما صحيحاً. في الغالب ما قيل لكما لا يمت إلى حقائق التاريخ بصلة.
وأن تصبرا علي، وأنا أتحدث إليكما. لأني لا أتحدث بالرموز. فقط أهيء للنقاش معكما. فحديثي سيكون معكما طويلا في هذه السلسلة. وكما قلت لكما في المقال السابق، أني سأستهل سلسلة "من إجل إسلام إنساني" بالحديث عن الإسلام السياسي. ذاك الذي يدغدغ حبكما لله بحديثه، ثم يأخذكما معه في طريق يدعوكما به إلى القتل والإنتحار. فشكا كثيراً في نواياه، وأطرحا السؤال دوماً "كيف نُقتل حباً في الله؟"، وبأسم مَنْ نقتل؟" ولو طرحتما السؤال بهذه الصيغة، ستكتشفان أنه والكراهية وجهاً واحداً.
هذا الفكر، فكر الإسلام السياسي، يتخذ من كلمة "أمة" محوراً لرؤيته للوجود:
"أمة إسلامية في حالة حرب.
كانت دوماً في حالة حرب.
أمة إسلامية تقف مقاومة ضد الكفار."
وهؤلاء الكفار يشملون بشراً، مثلكما، شاب وشابة مثلكما، يدينان بديانات مختلفة، أو مذاهب إسلامية مختلفة، أو أختارا طريقاً مختلفاً لا يؤمن. هذا حقهما. هما بشر مثلكما، لكنهما يختلفان عنكما، تماما كما تختلفان عنهما. لكن الرحم هو هو: الإنسان فيهما وفيكما.
مسكينة هذه الأمة.
"تدخل في حرب، لتخرج من حرب، لتواجه حرباً من جديد.
وكلها حروب مصيرية.
علينا أن ندخلها أو نموت.
ومن يرفض الدخول فيها نقتله.
من يُشكك فيها يصبح منافقاً."
هكذا يفكرون، وهكذا يقولون.
وسيضربون بي مثلاً. فأنتبها.
سيقولان لكما: "هذه منافقة، باعت نفسها، تكره دينها وأمتها".
هذه إبتسامة، اهديها لكما، كي لا تصدقا.
فأنا أحب الإنسان. هو وطني. وأؤمن بالعقل، هو طريقي إلى الإيمان، و مُصّرة أن الأمة لم توجد قط!
وأؤمن أن الحروب لا تؤدي إلا إلى الخراب. ألم نتعب من الحروب بعد؟
وأن القتل، ينحر الإنسان فينا، وأنه لا توجد قضية في العالم بأسرة اقتل من اجلها. لن أقتل إنساناً من أجل فكرة. فإتركا القتل للمجرمين.
ثم هذه زهرة، أقدمها لكما، كي لا تطعنا في نيتي. فأنا اقف معكما في صف واحد. وأبحث معكما عن طريق لمستقبل تعيشان فيه وأنا وغيري معكما، بكرامة وإحترام رفاهية.
مستقبل يكون لكما.
أنتَ وأنتِ.
مستقبلٌ في وطن لكما.
وطن. ليس أمة.
بل وطن. له حدود. حدود جغرافية. وفي داخله مواطن ومواطنة. يقفان متساويان أمام القانون، بلا تمييز، بسبب الدين، النوع، العرق، أو الهوية.
إنسان يقف أمام قانون يحترم إنسانيته.
ولأني اقص عليكما حكاية، سأخط أول صفحاتها المرة القادمة بحكاية الأمة، تلك التي لم توجد قط!
---
في البدء كانت الكلمة!
والكلمة كانت إنسان!
والإنسان لا يقتل!
إلهام مانع
والكلمة كانت إنسان!
والإنسان لا يكره!
.....
دعوني أقص عليكما حكاية قديمة!
حكاية حكيناها ألف مرة، كل قرن، كل عقد، وكل سنة.
نخط سطوراً وكلمات جديدة، ومضمونها ظل هو هو. لا يتغير. كأن قدرنا أن نحيا حياة لا تتغير فصولها.
المضمون كان في كلمة واحدة: "أمة".
هل تذكران؟
كانت "أمة إسلامية"، ثم تحولت إلى "أمة عربية"، ثم عادت لتصبح "إسلامية" من جديد.
لكن هل وجُدت هذه الأمة فعلاً؟
لو طرحت عليكما هذا السؤال، عزيزي الشاب، عزيزتي الشابة، لما ترددتما في الرد: "بالطبع توجد هذه الأمة"!
ستقولان:"هناك امة، وهي إسلامية. هذه حقيقة ساطعة كالشمس".
وغيركما في الأمس القريب كان سيقولان:" بالطبع توجد أمة، وهي عربية، تمتد من بغداد إلى الرباط، هذه حقيقة ساطعة كالشمس".
لكني تمنيت عليكما أن تتحليا بملكتي الشك والصبر معاً.
أن تشكا كثيراً في "الحقائق الساطعة كالشمس"، التي لا تسطع إلا لتغيب بالكذب.
شكا في كل ما يقال لكما، في كتب التاريخ، وفي خطب المساجد، وفي أحاديث شيوخنا، خاصة ذاك الذي يُحني لحيته بالحناء. يعرف نفسه فلا تبتسما.
فليس كل مالقنوه لكما صحيحاً. في الغالب ما قيل لكما لا يمت إلى حقائق التاريخ بصلة.
وأن تصبرا علي، وأنا أتحدث إليكما. لأني لا أتحدث بالرموز. فقط أهيء للنقاش معكما. فحديثي سيكون معكما طويلا في هذه السلسلة. وكما قلت لكما في المقال السابق، أني سأستهل سلسلة "من إجل إسلام إنساني" بالحديث عن الإسلام السياسي. ذاك الذي يدغدغ حبكما لله بحديثه، ثم يأخذكما معه في طريق يدعوكما به إلى القتل والإنتحار. فشكا كثيراً في نواياه، وأطرحا السؤال دوماً "كيف نُقتل حباً في الله؟"، وبأسم مَنْ نقتل؟" ولو طرحتما السؤال بهذه الصيغة، ستكتشفان أنه والكراهية وجهاً واحداً.
هذا الفكر، فكر الإسلام السياسي، يتخذ من كلمة "أمة" محوراً لرؤيته للوجود:
"أمة إسلامية في حالة حرب.
كانت دوماً في حالة حرب.
أمة إسلامية تقف مقاومة ضد الكفار."
وهؤلاء الكفار يشملون بشراً، مثلكما، شاب وشابة مثلكما، يدينان بديانات مختلفة، أو مذاهب إسلامية مختلفة، أو أختارا طريقاً مختلفاً لا يؤمن. هذا حقهما. هما بشر مثلكما، لكنهما يختلفان عنكما، تماما كما تختلفان عنهما. لكن الرحم هو هو: الإنسان فيهما وفيكما.
مسكينة هذه الأمة.
"تدخل في حرب، لتخرج من حرب، لتواجه حرباً من جديد.
وكلها حروب مصيرية.
علينا أن ندخلها أو نموت.
ومن يرفض الدخول فيها نقتله.
من يُشكك فيها يصبح منافقاً."
هكذا يفكرون، وهكذا يقولون.
وسيضربون بي مثلاً. فأنتبها.
سيقولان لكما: "هذه منافقة، باعت نفسها، تكره دينها وأمتها".
هذه إبتسامة، اهديها لكما، كي لا تصدقا.
فأنا أحب الإنسان. هو وطني. وأؤمن بالعقل، هو طريقي إلى الإيمان، و مُصّرة أن الأمة لم توجد قط!
وأؤمن أن الحروب لا تؤدي إلا إلى الخراب. ألم نتعب من الحروب بعد؟
وأن القتل، ينحر الإنسان فينا، وأنه لا توجد قضية في العالم بأسرة اقتل من اجلها. لن أقتل إنساناً من أجل فكرة. فإتركا القتل للمجرمين.
ثم هذه زهرة، أقدمها لكما، كي لا تطعنا في نيتي. فأنا اقف معكما في صف واحد. وأبحث معكما عن طريق لمستقبل تعيشان فيه وأنا وغيري معكما، بكرامة وإحترام رفاهية.
مستقبل يكون لكما.
أنتَ وأنتِ.
مستقبلٌ في وطن لكما.
وطن. ليس أمة.
بل وطن. له حدود. حدود جغرافية. وفي داخله مواطن ومواطنة. يقفان متساويان أمام القانون، بلا تمييز، بسبب الدين، النوع، العرق، أو الهوية.
إنسان يقف أمام قانون يحترم إنسانيته.
ولأني اقص عليكما حكاية، سأخط أول صفحاتها المرة القادمة بحكاية الأمة، تلك التي لم توجد قط!
---
في البدء كانت الكلمة!
والكلمة كانت إنسان!
والإنسان لا يقتل!
إلهام مانع
الخميس، 7 يناير 2010
علينا أن نختار!
"هذا يعني أنه لم يكن المسؤول عما حدث. اليس كذلك؟"
سألتني إبنتي، إبنة العاشرة، واحسست في سؤالها إبتهالاً. كأنها تريد أن تعفيه من تداعيات ما فعله.
وأنا رددت عليها: "بل يتحمل أيضا المسؤولية. لأنه في النهاية كان قادراً على الإختيار. كان بإمكانه أن يقول لا".
كان بإمكانه أن يقول "لا".
لكنه لم يقلها.
فكان عليه ان يتحمل تداعيات ما حاول فعله.
كنا نتحدث عن الشاب النيجيري الذي حاول تفجير نفسه وركاب طائرة متوجهة إلى ديترويت في أعياد الميلاد.
كنا نتحدث عن فِعله.
حدثتها عن حياته، كإبن لعائلة مرموقة في نيجيريا، وعن مستقبله الذي كان يمكن ان يكون مشرقاً. وعن أسرته، عن أبيه، و حرقة قلب والديه. آه، من لديه إبن أو إبنة سيدرك لوعة قلبهما. كيف ضاع إبنهما منهما؟ وكانا قد وفرا له افضل السبل كي يشق حياته.
ثم حكيت لها عن زيارته إلى اليمن، ثم إلى بريطانيا، وكيف اجتمع عليه إسلاميون، غسلوا دماغه غسلاً، فنسي أهله، ونسي مستقبله، بل كره أهله، وكره حياته. وعندما قالوا له إن الإيمان يعني أن ينتحر ويقتل غيره في الوقت ذاته! صدقهم. أستقل طائرة يريد ان يفجرها.
لهذا قلت لها إنه "أيضا" يتحمل المسؤولية.
فأنا لم انس انه زار اليمن. وأن تقارير عديدة اخرها ما ذكره توماس فريدمان في مقاله المنشور في الهيرالد تريبون في السابع من يناير، اظهرت أنه ارسل إلى اسرته من اليمن يحدثهم عن "إكتشافه" "للإسلام الحقيقي".
لم أنس أن زيارته تلك، و"إكتشافه" ذلك، جعله يتحول إلى "إسلام" يدعو إلى القتل والإرهاب. "دين" لا يجد ما يضير في قتل الإنسان لنفسه. في الإنتحار. ويشجع من يرغب في الإنتحار على قتل غيره. قتل الطفل والمرأة والرجل والشيخ. قتل الإنسان.
ويسموه جهاداً؟ بل إسمه إرهاب.
سموا الأشياء بأسمائها. لا تضللوا العقول، كي لا يسقط شاباً مثله من جديد في الفخ.
ولم أنس أن هناك من غسل دماغ ذلك الشاب. غسلها غسلاً، في اليمن، وفي بريطانيا حيث تنتشر أيضاً حركات إسلامية، تصر أنها "إكتشفت اسلاماً حقيقياً"، وتدعو مريديها إلى القتل، تدعوهم إلى "الجهاد" ( لاتنسوا إسمه من جديد) تدعوهم إلى الإرهاب.
ورغم أني لم أنس كل هذا، لم أنس ايضاً ان الشاب أختار.
إختار.
فميزة الإنسان مقدرته على الإختيار.
كان بإمكانه أن يقول "لا".
كان بإمكانه أن يفكر. أن يتدبر. ان يتساءل: "كيف يكون قتل البريء طريقاً إلى الله؟ أي رب يدعو إلى القتل؟ ولماذا يرسلوني أنا، أنا من دون غيري، للإنتحار والقتل؟"
كما كان بإمكانه أن يتراجع عن الفكرة.
كان بإمكانه أن ينظر إلى وجوه المسافرين معه على متن الطائرة، الأم تحنو على طفلها، الصغير يبتسم وهو يلعب، الزوج والزوجة يتحدثان، المسن يتحرك في مقعده قلقاً، والشابة سعيدة بلقاء إسرتها في الأعياد، أن ينظر إلى وجه الإنسان من حوله، ويتساءل، ماذا فعلوا كي يستحقوا القتل؟ بأي ذنب أقتلهم؟ ولو طرح السؤال على نفسه، ما كان سيجد جواباً.
لكنه لم يتراجع. فكان عليه أن يتحمل مسؤولية ما فعله.
الإثنان يتحملان المسؤولية.
الجماعة التي غسلت دماغ الشاب، والشاب الذي أختار.
ففي النهاية ما يصنع الإنسان هو قراره.
لكن الصورة لم تكتمل بعد.
نحن أيضاً نتحمل المسؤولية فيما يحدث اليوم، في هؤلاء الشباب الذي يفجرون أنفسهم في العراق، في أفغانستان، في باكستان، في داغستان، وفي العالم بأسرة، يرهبون العالم لأننا صامتون.
نحن.
نحن: قنواتنا التلفزيونية التي تُمجد ثقافة "الجهاد"، فيصدقها الشباب برئياً، ليقدم على القتل والإرهاب. وإعلامنا يحول المحرضين من نوعية يوسف القرضاوي (لم أسمعه يوماً يحرض على الجهاد ضد قطر؟) وعبدالمجيد الزنداني، هذا عدا شيوخ السلفية الوهابيين، يحول هؤلاء إلى أبطال، ينظر إليهم شبابنا اليافع مصدقاً مبهوراً، لا يدري أين سيقوده إنبهاره.
نحن: حكوماتنا التي ما فتئت تغازل الإسلام السياسي، تجيره لصالحها، تظن أنها ذكية، حتى أنقلب ضدها، فأصبحت اليوم تخافه، ولإنها لازالت تخافه لم نسمع الى يومنا هذا مسؤولاً يخرج علينا يدين "الجهاد" ويسميه بإسمه ( لا تنسوه من جديد)، إسمه "إرهاب".
نحن: ديننا الإسلامي نتعامل معه كأنه حجر صلد ننحني أمامه كأنه صنم. نرفض أن نقر أن ديننا في حاجة إلى إصلاح جذري، وإن هذا الإصلاح لن يجد طالما لم نقر بالطبيعة البشرية للقرآن والسنة، كي نصل إلى مرحلة تمكننا من القول: "نعم، هناك نص في القرآن، لكن هذا النص لا يعنينا اليوم". في الواقع، اليوم، يتوجب علينا أن نفصل بين الدين والدولة كي نتمكن من أن نحيا.
نحن: من يرفض ما يحدث ويظل رغم ذلك صامتاً. يظن أن في الصمت الأمان، ليصحو يوماً على إبنه منتحراً قاتلاً.
نحن إذن مسؤولون أيضاً.
كذلك الشاب النيجيري ومن غسل دماغه.
عن نفسي، اعتدت أن اتحمل مسؤوليتي، ولذا قررت من جديد أن لا أصمت.
قررت أن أبدأ سلسلة جديدة تحت عنوان "من أجل إسلام إنساني". أتحدث فيها عن الهوية، عن حرية الإختيار، عن طبيعة القرآن، وعن المرأة في ديننا. وقبل كل هذا سأتحدث عن مضامين دعوة الإسلام السياسي، مضامينها الفاشية.
وسأفعل ذلك كل إسبوعين، في موقع شفاف الذي أستضافني دوما، ولذا اظل ممتنه له، وعلى صفحات جريدة النداء اليمنية المستقلة، التي اشكرها على إستضافتها الدائمة، وعلى مدونتي أيضا.
قد أتأخر بضعة أيام، فلا تنزعجا، أنتَ وأنتِ، مني.
فأنا أعمل كما تعرفا، أعمل كي اتمكن من كتابة هذه الكلمات وأنا حرة.
لكني لن أتأخر أكثر من ذلك.
فقراري ببساطة لا يزيد عما يجب أن نفعله نحن جميعاً، أن نبدأ بقول كلمة "لا"، "لا" لفكر يقتل آدميتنا، يبرر القتل والإرهاب، ويدعو شبابنا، كالنيجري الشاب، إلى الإنتحار والقتل، ويدفعه دفعاً إلى الجحيم بدعوى أن "في القتل الخلاص".
هذا الفكر أرفضه، جملة وتفصيلاً.
وسأعبر عن رفضي له بالكلمة.
ففي البدء، كما تعرفون، كانت الكلمةَ!
سألتني إبنتي، إبنة العاشرة، واحسست في سؤالها إبتهالاً. كأنها تريد أن تعفيه من تداعيات ما فعله.
وأنا رددت عليها: "بل يتحمل أيضا المسؤولية. لأنه في النهاية كان قادراً على الإختيار. كان بإمكانه أن يقول لا".
كان بإمكانه أن يقول "لا".
لكنه لم يقلها.
فكان عليه ان يتحمل تداعيات ما حاول فعله.
كنا نتحدث عن الشاب النيجيري الذي حاول تفجير نفسه وركاب طائرة متوجهة إلى ديترويت في أعياد الميلاد.
كنا نتحدث عن فِعله.
حدثتها عن حياته، كإبن لعائلة مرموقة في نيجيريا، وعن مستقبله الذي كان يمكن ان يكون مشرقاً. وعن أسرته، عن أبيه، و حرقة قلب والديه. آه، من لديه إبن أو إبنة سيدرك لوعة قلبهما. كيف ضاع إبنهما منهما؟ وكانا قد وفرا له افضل السبل كي يشق حياته.
ثم حكيت لها عن زيارته إلى اليمن، ثم إلى بريطانيا، وكيف اجتمع عليه إسلاميون، غسلوا دماغه غسلاً، فنسي أهله، ونسي مستقبله، بل كره أهله، وكره حياته. وعندما قالوا له إن الإيمان يعني أن ينتحر ويقتل غيره في الوقت ذاته! صدقهم. أستقل طائرة يريد ان يفجرها.
لهذا قلت لها إنه "أيضا" يتحمل المسؤولية.
فأنا لم انس انه زار اليمن. وأن تقارير عديدة اخرها ما ذكره توماس فريدمان في مقاله المنشور في الهيرالد تريبون في السابع من يناير، اظهرت أنه ارسل إلى اسرته من اليمن يحدثهم عن "إكتشافه" "للإسلام الحقيقي".
لم أنس أن زيارته تلك، و"إكتشافه" ذلك، جعله يتحول إلى "إسلام" يدعو إلى القتل والإرهاب. "دين" لا يجد ما يضير في قتل الإنسان لنفسه. في الإنتحار. ويشجع من يرغب في الإنتحار على قتل غيره. قتل الطفل والمرأة والرجل والشيخ. قتل الإنسان.
ويسموه جهاداً؟ بل إسمه إرهاب.
سموا الأشياء بأسمائها. لا تضللوا العقول، كي لا يسقط شاباً مثله من جديد في الفخ.
ولم أنس أن هناك من غسل دماغ ذلك الشاب. غسلها غسلاً، في اليمن، وفي بريطانيا حيث تنتشر أيضاً حركات إسلامية، تصر أنها "إكتشفت اسلاماً حقيقياً"، وتدعو مريديها إلى القتل، تدعوهم إلى "الجهاد" ( لاتنسوا إسمه من جديد) تدعوهم إلى الإرهاب.
ورغم أني لم أنس كل هذا، لم أنس ايضاً ان الشاب أختار.
إختار.
فميزة الإنسان مقدرته على الإختيار.
كان بإمكانه أن يقول "لا".
كان بإمكانه أن يفكر. أن يتدبر. ان يتساءل: "كيف يكون قتل البريء طريقاً إلى الله؟ أي رب يدعو إلى القتل؟ ولماذا يرسلوني أنا، أنا من دون غيري، للإنتحار والقتل؟"
كما كان بإمكانه أن يتراجع عن الفكرة.
كان بإمكانه أن ينظر إلى وجوه المسافرين معه على متن الطائرة، الأم تحنو على طفلها، الصغير يبتسم وهو يلعب، الزوج والزوجة يتحدثان، المسن يتحرك في مقعده قلقاً، والشابة سعيدة بلقاء إسرتها في الأعياد، أن ينظر إلى وجه الإنسان من حوله، ويتساءل، ماذا فعلوا كي يستحقوا القتل؟ بأي ذنب أقتلهم؟ ولو طرح السؤال على نفسه، ما كان سيجد جواباً.
لكنه لم يتراجع. فكان عليه أن يتحمل مسؤولية ما فعله.
الإثنان يتحملان المسؤولية.
الجماعة التي غسلت دماغ الشاب، والشاب الذي أختار.
ففي النهاية ما يصنع الإنسان هو قراره.
لكن الصورة لم تكتمل بعد.
نحن أيضاً نتحمل المسؤولية فيما يحدث اليوم، في هؤلاء الشباب الذي يفجرون أنفسهم في العراق، في أفغانستان، في باكستان، في داغستان، وفي العالم بأسرة، يرهبون العالم لأننا صامتون.
نحن.
نحن: قنواتنا التلفزيونية التي تُمجد ثقافة "الجهاد"، فيصدقها الشباب برئياً، ليقدم على القتل والإرهاب. وإعلامنا يحول المحرضين من نوعية يوسف القرضاوي (لم أسمعه يوماً يحرض على الجهاد ضد قطر؟) وعبدالمجيد الزنداني، هذا عدا شيوخ السلفية الوهابيين، يحول هؤلاء إلى أبطال، ينظر إليهم شبابنا اليافع مصدقاً مبهوراً، لا يدري أين سيقوده إنبهاره.
نحن: حكوماتنا التي ما فتئت تغازل الإسلام السياسي، تجيره لصالحها، تظن أنها ذكية، حتى أنقلب ضدها، فأصبحت اليوم تخافه، ولإنها لازالت تخافه لم نسمع الى يومنا هذا مسؤولاً يخرج علينا يدين "الجهاد" ويسميه بإسمه ( لا تنسوه من جديد)، إسمه "إرهاب".
نحن: ديننا الإسلامي نتعامل معه كأنه حجر صلد ننحني أمامه كأنه صنم. نرفض أن نقر أن ديننا في حاجة إلى إصلاح جذري، وإن هذا الإصلاح لن يجد طالما لم نقر بالطبيعة البشرية للقرآن والسنة، كي نصل إلى مرحلة تمكننا من القول: "نعم، هناك نص في القرآن، لكن هذا النص لا يعنينا اليوم". في الواقع، اليوم، يتوجب علينا أن نفصل بين الدين والدولة كي نتمكن من أن نحيا.
نحن: من يرفض ما يحدث ويظل رغم ذلك صامتاً. يظن أن في الصمت الأمان، ليصحو يوماً على إبنه منتحراً قاتلاً.
نحن إذن مسؤولون أيضاً.
كذلك الشاب النيجيري ومن غسل دماغه.
عن نفسي، اعتدت أن اتحمل مسؤوليتي، ولذا قررت من جديد أن لا أصمت.
قررت أن أبدأ سلسلة جديدة تحت عنوان "من أجل إسلام إنساني". أتحدث فيها عن الهوية، عن حرية الإختيار، عن طبيعة القرآن، وعن المرأة في ديننا. وقبل كل هذا سأتحدث عن مضامين دعوة الإسلام السياسي، مضامينها الفاشية.
وسأفعل ذلك كل إسبوعين، في موقع شفاف الذي أستضافني دوما، ولذا اظل ممتنه له، وعلى صفحات جريدة النداء اليمنية المستقلة، التي اشكرها على إستضافتها الدائمة، وعلى مدونتي أيضا.
قد أتأخر بضعة أيام، فلا تنزعجا، أنتَ وأنتِ، مني.
فأنا أعمل كما تعرفا، أعمل كي اتمكن من كتابة هذه الكلمات وأنا حرة.
لكني لن أتأخر أكثر من ذلك.
فقراري ببساطة لا يزيد عما يجب أن نفعله نحن جميعاً، أن نبدأ بقول كلمة "لا"، "لا" لفكر يقتل آدميتنا، يبرر القتل والإرهاب، ويدعو شبابنا، كالنيجري الشاب، إلى الإنتحار والقتل، ويدفعه دفعاً إلى الجحيم بدعوى أن "في القتل الخلاص".
هذا الفكر أرفضه، جملة وتفصيلاً.
وسأعبر عن رفضي له بالكلمة.
ففي البدء، كما تعرفون، كانت الكلمةَ!
الثلاثاء، 22 ديسمبر 2009
من يخشَ نصر أبو زيد؟
"من الذي يملك أوطاننا؟"
تساءل مفكرنا الجليل نصر حامد أبو زيد. وكاد ان يكون مندهشاً.
فهل اندهشتم؟
وأنا لن اردد السؤال من بعده. ولن أسأل. فالجواب نعرفه، أنتم وأنا. أمام أعينكم. فهل رأيتوه؟
ولإن لكل سؤال مقدمة، دعوني أقص عليكم الحكاية من بدايتها. بعدها إطرحوا السؤال على أنفسكم، لكن في صيغة أخرى. أسالوا أنفسكم: من يخش نصر أبو زيد إلى هذا الحد؟ وحينها ستفهمون.
البداية تعرفوها. خبر سمعتوه، بعد أن كررتها وسائل الإعلام: منعت سلطات الأمن الكويتية يوم الأثنين الموافق 15 ديسمبر مفكرنا الجليل نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت. كان مدعواً من قبل مركز الحوار للثقافة (تنوير) والجمعية الثقافية الأجتماعية النسائية ليلقي محاضرتين عن "الإصلاح الديني في الدولة الدستورية" و عن "قضايا المرأة بين آفق القرآن والفكر الفقهي".
كان مقررأ ان يحاضر. فمنعوه.
منعوه رغم أن وزارة الداخلية الكويتية منحته تأشيرة دخول.
ولأن التأشيرة كانت على جواز سفره، سافر وهو مطمئن. ظن أنه يتعامل مع دولة ذات مؤسسات. وكنا نظن الكويت كذلك. لكن ظنه خاب عند وصوله إلى مطار الكويت.
لماذا منعوه؟
قالوا "منعناه حماية له". قالوا إن الحكومة الكويتية، التي وفرت الحماية للرئيس الأمريكي السابق بوش بجدارة، غير قادرة على توفير الحماية الأمنية للمفكر المصري. وذّكروا بفتوى إهدار دمه الشهيرة. خافوا أن يتعرض لمحاولة إغتيال!
هل إبتسمتم؟ انا ايضا كدت ابتسم.
فالمذهل حقاً، ان من ردد هذا العذر (الذي لن اصفه)، توقع ان نصدقه.
كالنعامة تدفن رأسها في التراب وتنسى أن تغطي مؤخرتها. اليست كبيرة؟ المؤخرة، لا النعامة.
وصمتوا عن الجعجعة التي اثارها إسلاميون كويتيون، ينسى المرء اسمائهم من فرط تشابهم في اللفظ والفكر. من فرط إصرارهم على إقصاء الأخر. أياً كان هذا الأخر.
وصفوا مفكر القرن الواحد والعشرين ب"الزنديق"، و"الكافر"، و"الملحد". وكلهم، اراهنكن، لم يقرأوا سطراً من كتبه. أعتمدوا على السمع. "طوبى للعقلاء، وغفر الله للببغاوات"، على حد قول مفكرنا الجليل.
لكن ألفاظهم كما ترون تتناسب مع فكرهم، وتعكس ببساطة متناهية رؤيتهم للعالم. ولذا، إسمعوني جيداً، لم يكن غريباً ان يصفوه هكذا. هل إنتبهتم؟ موقفهم لم يكن غريباً. هم إسلاميون، وفكرهم متطرف. هل نتوقع منهم أن يلاقوه بالأحضان والزهور؟
ولأن الأمر كذلك، فإن دعوتهم إلى منعه أيضا طبيعية.
هم يرون فيه عدواً. عدواً تمكن بجدارة من تعرية خطابهم الديني.
فمفكرنا عندما قال إن "النصوص الدينية تأنسنت منذ تجسدت في التاريخ واللغة وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر"، لم يفعل اكثر من أن سحب البساط من تحت اقدام هؤلاء الذي يعتاشون على ويرتزقون من الخطاب الديني، بعد أن حولوا النصوص إلى صنم يعبدوه.
لذا، أكرر، لم يكن موقفهم مفاجئاً. بل كان طبيعياً، بتماشى مع نسق فكرهم.
السؤال الذي يجب طرحه هو: إذا كان من الطبيعي ان يطالب إٍسلاميون بمنع دخول نصر أبو زيد إلى الكويت، فهل كانت إستجابة السلطات الحكومية لهذا الطلب مفاجئة؟
بعضكم سيرد بنعم، ويذكر بأن نفس هذه الجهات الحكومية سمحت بدخول المفكر محمد أركون الكويت العام الماضي.
وتحديداً هذه المقارنة بين نصرحامد أبو زيد ومحمد أركون هي التي تفسر التفاوت في موقف السلطة. وهي التي تظهر في الواقع أن منع دخول ابو زيد لا يجب أن يكون مفاجئاً، بل يتماشى هو الأخر مع طبيعة أنظمتنا الحاكمة.
المفكر الكبير محمد أركون كان ولازال مهموماً بدراسة النص الديني، والقرآن تحديداً، دراسة علمية، وبصورة نقدية تفكيكية، مستخدما في ذلك مناهج بحث علمية حديثة. تماماً كمفكرنا أبو زيد.
لكن الدكتور نصر حامد أبو زيد قرر في الوقت ذاته ان يعري المدلولات السياسية لتفكيك الخطاب الديني، معبراً عن إستقلاليته كمفكر ومثقف.
قرر أن لا يصمت عن الزواج القائم بين خطاب السلطة السياسية والخطاب الديني. قال ببساطة إنهما وجهان لعملة واحدة. كل يعتمد على الأخر، وكل يستمد بقاءه من الآخر.
هل نسيتم ما قاله في نقد الخطاب الديني؟
"إن دعوى إحتكار الحقائق، وما يترتب عليها من دعوى إحتكار القرار، تمثل الأساس النظري لمفهوم الحاكمية الديني، ولا يكتفي الخطاب السياسي بهذه الدعوى الخطيرة، بل يقرنها بدعوة لا تقل عنها خطورة من حيث قيام مفهوم الحاكمية عليها، تلك دعوى الصواب الدائم وعدم إقتراف أي خطأ. وتتبدى هذه الدعوى واضحة في تحميل الخطاب السياسي كل اوجه القصور والعجز في سياساته، بل وكل أزمات الواقع ومشكلاته، على أكتاف المواطن العادي..."
بكلمات بسيطة، لم يكتف نصر أبو زيد بنقد الإسلاميين، وتعرية خطابهم، بل إنتقد أيضا السلطة السياسية التي تعتمد على هذا الخطاب في تبرير بقائها حتى وهي تحارب الإسلاميين.
وهو ما يعني بداهة، أن أي حديث عن إصلاح ديني نسعى إليه في أوطاننا لا معنى له دون إصلاح سياسي مرادف له.
الأثنان يأتيان معاً.
نصر أبو زيد لم يمسك العصا من الوسط. وضع إصبعه على الداء، ووصف الدواء في الوقت ذاته.
ولأنه كذلك كان خطرأً، ليس فقط على الإسلاميين، الذين جعجعوا لغطاً، بل على السلطة التي منحته التأشيرة ثم أدركت أن محاضرة تجمع في عنوانها "الإصلاح الديني" "والدولة الدستورية"، ستعري عورتها. فغيرت رأيها.
لم يكن موقف السلطات الكويتية مفاجئاً.
تماماً كموقف الإسلاميين وحناجرهم الزاعقة.
في الواقع، المفاجأة الوحيدة والسارة، كانت في الموقف الملتزم المتحدي الراقي لمنظمي الندوة، الذي أصروا على عقد الندوة في وقتها، وأتصلوا بالمفكر نصر أبو زيد، الذي القى محاضرته على مدى ساعة كاملة. لسان حالهم:"حتى لو منعتوه من دخول الكويت، فصوته، ومعه فكره، معنا!"
إصرارهم وإصرارهن أظهر أن الأمل في الإصلاح قائم.
وإن الإنسان في أوطاننا هو حامل شعلة هذا الأمل.
فالإنسان، لا تنسوا، هو الحل.
الإنسان.
إلهام مانع
تساءل مفكرنا الجليل نصر حامد أبو زيد. وكاد ان يكون مندهشاً.
فهل اندهشتم؟
وأنا لن اردد السؤال من بعده. ولن أسأل. فالجواب نعرفه، أنتم وأنا. أمام أعينكم. فهل رأيتوه؟
ولإن لكل سؤال مقدمة، دعوني أقص عليكم الحكاية من بدايتها. بعدها إطرحوا السؤال على أنفسكم، لكن في صيغة أخرى. أسالوا أنفسكم: من يخش نصر أبو زيد إلى هذا الحد؟ وحينها ستفهمون.
البداية تعرفوها. خبر سمعتوه، بعد أن كررتها وسائل الإعلام: منعت سلطات الأمن الكويتية يوم الأثنين الموافق 15 ديسمبر مفكرنا الجليل نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت. كان مدعواً من قبل مركز الحوار للثقافة (تنوير) والجمعية الثقافية الأجتماعية النسائية ليلقي محاضرتين عن "الإصلاح الديني في الدولة الدستورية" و عن "قضايا المرأة بين آفق القرآن والفكر الفقهي".
كان مقررأ ان يحاضر. فمنعوه.
منعوه رغم أن وزارة الداخلية الكويتية منحته تأشيرة دخول.
ولأن التأشيرة كانت على جواز سفره، سافر وهو مطمئن. ظن أنه يتعامل مع دولة ذات مؤسسات. وكنا نظن الكويت كذلك. لكن ظنه خاب عند وصوله إلى مطار الكويت.
لماذا منعوه؟
قالوا "منعناه حماية له". قالوا إن الحكومة الكويتية، التي وفرت الحماية للرئيس الأمريكي السابق بوش بجدارة، غير قادرة على توفير الحماية الأمنية للمفكر المصري. وذّكروا بفتوى إهدار دمه الشهيرة. خافوا أن يتعرض لمحاولة إغتيال!
هل إبتسمتم؟ انا ايضا كدت ابتسم.
فالمذهل حقاً، ان من ردد هذا العذر (الذي لن اصفه)، توقع ان نصدقه.
كالنعامة تدفن رأسها في التراب وتنسى أن تغطي مؤخرتها. اليست كبيرة؟ المؤخرة، لا النعامة.
وصمتوا عن الجعجعة التي اثارها إسلاميون كويتيون، ينسى المرء اسمائهم من فرط تشابهم في اللفظ والفكر. من فرط إصرارهم على إقصاء الأخر. أياً كان هذا الأخر.
وصفوا مفكر القرن الواحد والعشرين ب"الزنديق"، و"الكافر"، و"الملحد". وكلهم، اراهنكن، لم يقرأوا سطراً من كتبه. أعتمدوا على السمع. "طوبى للعقلاء، وغفر الله للببغاوات"، على حد قول مفكرنا الجليل.
لكن ألفاظهم كما ترون تتناسب مع فكرهم، وتعكس ببساطة متناهية رؤيتهم للعالم. ولذا، إسمعوني جيداً، لم يكن غريباً ان يصفوه هكذا. هل إنتبهتم؟ موقفهم لم يكن غريباً. هم إسلاميون، وفكرهم متطرف. هل نتوقع منهم أن يلاقوه بالأحضان والزهور؟
ولأن الأمر كذلك، فإن دعوتهم إلى منعه أيضا طبيعية.
هم يرون فيه عدواً. عدواً تمكن بجدارة من تعرية خطابهم الديني.
فمفكرنا عندما قال إن "النصوص الدينية تأنسنت منذ تجسدت في التاريخ واللغة وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر"، لم يفعل اكثر من أن سحب البساط من تحت اقدام هؤلاء الذي يعتاشون على ويرتزقون من الخطاب الديني، بعد أن حولوا النصوص إلى صنم يعبدوه.
لذا، أكرر، لم يكن موقفهم مفاجئاً. بل كان طبيعياً، بتماشى مع نسق فكرهم.
السؤال الذي يجب طرحه هو: إذا كان من الطبيعي ان يطالب إٍسلاميون بمنع دخول نصر أبو زيد إلى الكويت، فهل كانت إستجابة السلطات الحكومية لهذا الطلب مفاجئة؟
بعضكم سيرد بنعم، ويذكر بأن نفس هذه الجهات الحكومية سمحت بدخول المفكر محمد أركون الكويت العام الماضي.
وتحديداً هذه المقارنة بين نصرحامد أبو زيد ومحمد أركون هي التي تفسر التفاوت في موقف السلطة. وهي التي تظهر في الواقع أن منع دخول ابو زيد لا يجب أن يكون مفاجئاً، بل يتماشى هو الأخر مع طبيعة أنظمتنا الحاكمة.
المفكر الكبير محمد أركون كان ولازال مهموماً بدراسة النص الديني، والقرآن تحديداً، دراسة علمية، وبصورة نقدية تفكيكية، مستخدما في ذلك مناهج بحث علمية حديثة. تماماً كمفكرنا أبو زيد.
لكن الدكتور نصر حامد أبو زيد قرر في الوقت ذاته ان يعري المدلولات السياسية لتفكيك الخطاب الديني، معبراً عن إستقلاليته كمفكر ومثقف.
قرر أن لا يصمت عن الزواج القائم بين خطاب السلطة السياسية والخطاب الديني. قال ببساطة إنهما وجهان لعملة واحدة. كل يعتمد على الأخر، وكل يستمد بقاءه من الآخر.
هل نسيتم ما قاله في نقد الخطاب الديني؟
"إن دعوى إحتكار الحقائق، وما يترتب عليها من دعوى إحتكار القرار، تمثل الأساس النظري لمفهوم الحاكمية الديني، ولا يكتفي الخطاب السياسي بهذه الدعوى الخطيرة، بل يقرنها بدعوة لا تقل عنها خطورة من حيث قيام مفهوم الحاكمية عليها، تلك دعوى الصواب الدائم وعدم إقتراف أي خطأ. وتتبدى هذه الدعوى واضحة في تحميل الخطاب السياسي كل اوجه القصور والعجز في سياساته، بل وكل أزمات الواقع ومشكلاته، على أكتاف المواطن العادي..."
بكلمات بسيطة، لم يكتف نصر أبو زيد بنقد الإسلاميين، وتعرية خطابهم، بل إنتقد أيضا السلطة السياسية التي تعتمد على هذا الخطاب في تبرير بقائها حتى وهي تحارب الإسلاميين.
وهو ما يعني بداهة، أن أي حديث عن إصلاح ديني نسعى إليه في أوطاننا لا معنى له دون إصلاح سياسي مرادف له.
الأثنان يأتيان معاً.
نصر أبو زيد لم يمسك العصا من الوسط. وضع إصبعه على الداء، ووصف الدواء في الوقت ذاته.
ولأنه كذلك كان خطرأً، ليس فقط على الإسلاميين، الذين جعجعوا لغطاً، بل على السلطة التي منحته التأشيرة ثم أدركت أن محاضرة تجمع في عنوانها "الإصلاح الديني" "والدولة الدستورية"، ستعري عورتها. فغيرت رأيها.
لم يكن موقف السلطات الكويتية مفاجئاً.
تماماً كموقف الإسلاميين وحناجرهم الزاعقة.
في الواقع، المفاجأة الوحيدة والسارة، كانت في الموقف الملتزم المتحدي الراقي لمنظمي الندوة، الذي أصروا على عقد الندوة في وقتها، وأتصلوا بالمفكر نصر أبو زيد، الذي القى محاضرته على مدى ساعة كاملة. لسان حالهم:"حتى لو منعتوه من دخول الكويت، فصوته، ومعه فكره، معنا!"
إصرارهم وإصرارهن أظهر أن الأمل في الإصلاح قائم.
وإن الإنسان في أوطاننا هو حامل شعلة هذا الأمل.
فالإنسان، لا تنسوا، هو الحل.
الإنسان.
إلهام مانع
الاثنين، 21 ديسمبر 2009
دعوة من جديد
أعزائي وعزيزاتي
تجدون طي هذا الوصلة إلى كافة مقالاتي الخاصة بيوميات إمرأة عربية.
لن اعيد نشرها على مدونتي.
فأنا سأبدأ بعد إسبوعين سلسلة جديدة تحت عنوان من أجل إسلام إنساني.
تابعوني بعدها.
محبتي،
إلهام
http://www.metransparent.com/old/authors/arabic/elham_manea.htmhttp://www.metransparent.com/old/authors/arabic/elham_manea.htm
تجدون طي هذا الوصلة إلى كافة مقالاتي الخاصة بيوميات إمرأة عربية.
لن اعيد نشرها على مدونتي.
فأنا سأبدأ بعد إسبوعين سلسلة جديدة تحت عنوان من أجل إسلام إنساني.
تابعوني بعدها.
محبتي،
إلهام
http://www.metransparent.com/old/authors/arabic/elham_manea.htmhttp://www.metransparent.com/old/authors/arabic/elham_manea.htm
الخميس، 3 ديسمبر 2009
ماذا حدث في سويسرا؟
بالطبع اشعر بالأحباط.
ولعلي كدت أبكي. فما اصعب الخيبة، وأنت تراها تتجلى أمام عينيك.
لكني عدت اقول من جديد، الإنسان هو الإنسان، في قوته وضعفه، في الخير الذي فيه، تماما كما في خوفه وتحيزه.
هنا، أو هناك، لا فرق.
ولأن الأمر كذلك، قلت لنفسي: "كان لزاماً الإصرار والتمسك بقوة بمبدأ عالمية حقوق الإنسان"!
ماذا حدث إذن في سويسرا الأحد يوم التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي؟
صّوت الشعب السويسري بأغلبية نسبية، نحو 57%، على مبادرة شعبية تقضي بحظر بناء المآذن.
من المهم التأكيد هنا أن الحظر يطال المآذن فقط، ولا يمس حرية العقيدة، وممارسة المسلمين لشعائرهم أو تنظيمهم لأنفسهم في منظمات أو جمعيات. ومن المهم أيضا التذكير، بأن الحكومة السويسرية كانت أول من أعرب عن اسفها العميق لنتيجة هذه المبادرة، التي وصفتها من قبل بأنها ستمثل إنتهاكاً لحقوق أقلية دينية. ومن المهم أيضا القول، أن القوى السياسية الكبرى، بإستثناء حزب الشعب السويسري اليميني المتطرف، اصيبت بصدمة لنتيجة الأستفتاء وادانته.
كل هذا لا ينفي أن ما حدث يعد تمييزاً واضحاً ضد أقلية دينية، هي أقلية مسلمة هذه المرة. فلو أن الحظر استهدف كل الرموز الدينية لكل الأديان، ما كنت سأنزعج. لكنه هنا استهدف اقلية واحدة، ولذلك كان تمييزاً.
حدثٌ مذهل، لأننا ببساطة لم نتوقعه.
توقعنا ان تأتي النتيجة متقاربة، ولكن برفض يتماشي مع العقلانية السويسرية وتسامحها.
لكن هذا لم يحدث.
ما حدث هو ان اليمين المتطرف نجح في إثارة مخاوف الشعب السويسري بصورة دفعته إلى إتخاذ قرار يتناقض مع مباديء الدولة التي ينتمي إليها.
الخوف مم؟ تتساءلون؟
خلط اليمين المتطرف بين قضايا ثلاث جمعها في سلة واحدة رمز لها بالمآذن.
الخوف من إسلام سياسي إصولي متطرف، سيكون من الغباء القول إنه غير متواجد.
والخوف من عادات وممارسات تنتهك حقوق المرأة تتواجد لدى شريحة من المهاجرين من بلدان إسلامية، على رأسها إكراة الفتيات على الزواج، عادة الختان، ومنع الفتيات من المشاركة في بعض الصفوف الدراسية، خاصة السباحة ومادة الثقافة الجنسية، بحجة الخصوصية الثقافية.
والخوف من عولمة غيرت من التركيبة السكانية لسويسرا في وتيرة تنقطع معها الأنفاس. عشرون في المائة من السكان اليوم هم من الأجانب والمهاجرين.
الخوف. ممزوجاً. لا يفرق بين مشكلة إسلام سياسي تجب مواجهته، ومشاكل إندماج تجب معالجتها بصرامة، وتغيير أصاب العالم بأسرة، فسويسرا ليست جزيرة منعزلة عنه.
لعب اليمين المتطرف على هذه المخاوف جيداً، وبصورة خلط فيها بين الأوراق ففزعت اغلبية، وصوتت كما صوتت. ياللخيبة.
-----
لكن بعض رموز الجالية المسلمة ساعدت اليمين المتطرف كثيراًُ في تغذية هذه المخاوف، بسبب بعض مواقفها.
تصرفت كما لو كانت ضيفة في هذا المجتمع.
اعتبر بعض زعماء الجالية المسلمة، او على الأقل من يقولون إنهم يتحدثون بإسمها، ان المبادرة الداعية إلى حظر المآذن شأن سياسي، وأنهم لذلك كجماعة دينية لن يتدخلوا فيها!
كانهم يعيشون في المريخ، ولاعلاقة لهم بالموضوع.
كما لم يأخذوا هذه المخاوف بعين الجدية.
إثنان من ابرز قادتهم أصرا على أنه على حد علمهما لا وجود لإسلام سياسي متطرف في سويسرا! حقاً؟
يقولان ذلك رغم أن تقارير مخابراتية وصحافية أظهرت العكس. نعم هناك وجود لإسلام متطرف، لكنه يظل محصوراً في أقلية. إنكار وجوده لن يساهم إلا في تغذية المخاوف. لأن الكذب يظل كذباً. حتى لو كان هدفه تحسين صورة جالية.
أتساءل، لم يصعب علينا أخذ موقفاً حاسماً رافضاً للحركات الإسلامية السياسية الإصولية، ويدين أهدافها؟ يرفضها دون أن يضيف جملة : "نعم نحن ضدها، ولكن..".
سؤال يتوجب عليهم الإجابة عليه.
الخوف الأعمق والأهم في رأيي ليس فقط من الأصولية المتطرفة، بل من تغيير مجتمعي لا يتفق مع مباديء هذا المجتمع وقيمه.
فالقشة التي قصمت ظهر البعير كانت في الموقف الذي اتخذه بعض هؤلاء تجاه رأي عبر عنه اكاديمي سويسري في بدايات هذا العام، أقترح فيه السماح للمسلمين بتطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في قوانينهم العائلية.
بدلاً من أن يأخذ هؤلاء موقفاً حاسماً واضحاً لا لبس فيه ضد هذا المقترح، عبر البعض عن إرتياحه للموضوع، وأخر اعتبر ان الوقت غير مناسب لطرحه، ليترك المجال مفتوحاً للتساؤل عما إذا كان يرغب في طرحه في المستقبل.
وكان من الضروري لنا نحن النساء المهاجرات القادمات من دول إسلامية أن نأخذ موقفاً حازماً يدين هذا التوجه ويبرز كيف سيؤدي إلى إنتهاكه لحقوق المرأة.
هل نهرب من جحيم كي ندخل في جحيم اخر بمحض إرادتنا؟
هذا الموضوع في رأيي كان القشة التي قسمت ظهر البعير.
هذه القشة هي التي تفسر أن نسبة كبيرة من المصوتين ضد المآذن كن من النساء السويسريات. فالسويسريات عانين كثيراً هنا كي يصلن إلى الحقوق التي وصلن إليها، لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لهن. وقد كافحن كثيرا حتى حصلن على حق التصويت، و تمكن من تغيير قانون عائلي عام 1988 كان يعطي للرجل الحق في السماح لزوجته بالعمل، وتقرير مكان إقامة أسرته.
وهن لسن على أستعداد للقبول بقوانين عائلية تعيد الساعة إلى الوراء، وتمحي تلك الحقوق التي اكتسبنها حتى لو كان الأمر لا يعنيهن.
ففي النهاية، التمييز إذا حدث سيحط على رأس النساء المهاجرات من دول إسلامية.
هناك خوف عميق لدى شرائح واسعة هنا في سويسرا. وخوفها الأكبر هو أن هؤلاء الذين يتحدثون بإسم الجالية الإسلامية، لديهم اجندة خفية، ويسعون لتغيير قوانين البلاد خطوة خطوة.
إلى يومنا هذا، لم يقف هؤلاء الذين يزعمون التحدث بإسم الجالية الإسلامية ويعلنون بوضوح رفضهم لتطبيق أي جانب من جوانب الشريعة الإسلامية، أوالإقرار بإنتهاكها لحقوق الإنسان والمرأة.
الخوف لن يزول إلا إذا تحدثنا بصدق، وأظهرنا وجوهنا كما هي. عساها تكون فعلاً كما يقولون.
لن يزول إلا إذا اقررنا أن هناك مشاكل جوهرية وحقيقية.
لا يسعنا ان ندفن رؤوسنا في الرمال ونقول الزواج بالأكراه لا يحدث في جاليتنا. 17 ألف حالة زواج قسري حدثت في سويسرا، وأغلبية كبيرة منها حدثت لدى مهاجرين من دول إسلامية. أن تحدث حالات زواج قهري لدى مهاجرين من أديان اخرى لا يعفينا من النظر إلى المشكلة والتعامل معها بجدية.
تماماً كما لا يسعنا تجاهل أن نسبة كبيرة من حوادث العنف يرتكبها شباب من الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين المسلمين. شباب ضائع بين عالمين، عائلاتهم تصر عليهم أن لا يندمجوا في مجتمعهم الجديد، تقول لهم أن يرفضوا ثقافته، ثم تفرض عليه عنفاً من نوع أخر، عندما تصر على تزويجه، شاباً كان أو شابة، غصباً عنه. وبعضنا يحيا في هذا البلد، في مجتمعات موازية، ينظر إليه على انه غريب، يتندر عليه وعلى ثقافته، وينظر إليه بعلو وتكبر. وأظن أن بعضنا من العرب يفهم ما أقوله جيداً.
هذه مشاكل موجودة.
إنكارها، ووصف من يطرحها على النقاش بأنه مصاب بالإسلامفوبيا لن يؤدي إلا إلى تعميق المخاوف الموجودة لدى شريحة كبيرة من الشعب السويسري.
مخاوف لم ندرك مدى عمقها إلا عندما جمع اليمين المتطرف كل هذه المشاكل ورماها في سلة واحدة، رمز لها بالمآذنة، وصوت عليها الشعب السويسري يوم الأحد الماضي.
-----
أقول هذا رغم أني متألمة؛
من نجاح هذا اليمين المتطرف من إستثمار هذا الخوف لدى قطاع واسع لدى الشعب السويسري.
و من أن هذا البلد الأمن الطيب، الذي حمل ولازال يحمل راية حماية حقوق الإنسان بجدارة، مُررت فيه مبادرة شعبية ستؤدي إلى تمييز ضد أقلية دينية.
لكنه كان درساً.
ذكرني بما آمنت به دوماً.
حقوق الإنسان عالمية.
ليست مرتبطة بثقافة دون أخرى.
هدفها حماية الإنسان من ضعف هذا الإنسان.
وهي ملزمة للدول العربية تماما كما انها ملزمة لسويسرا.
هنا أو هناك. لافرق.
إلهام مانع
ولعلي كدت أبكي. فما اصعب الخيبة، وأنت تراها تتجلى أمام عينيك.
لكني عدت اقول من جديد، الإنسان هو الإنسان، في قوته وضعفه، في الخير الذي فيه، تماما كما في خوفه وتحيزه.
هنا، أو هناك، لا فرق.
ولأن الأمر كذلك، قلت لنفسي: "كان لزاماً الإصرار والتمسك بقوة بمبدأ عالمية حقوق الإنسان"!
ماذا حدث إذن في سويسرا الأحد يوم التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي؟
صّوت الشعب السويسري بأغلبية نسبية، نحو 57%، على مبادرة شعبية تقضي بحظر بناء المآذن.
من المهم التأكيد هنا أن الحظر يطال المآذن فقط، ولا يمس حرية العقيدة، وممارسة المسلمين لشعائرهم أو تنظيمهم لأنفسهم في منظمات أو جمعيات. ومن المهم أيضا التذكير، بأن الحكومة السويسرية كانت أول من أعرب عن اسفها العميق لنتيجة هذه المبادرة، التي وصفتها من قبل بأنها ستمثل إنتهاكاً لحقوق أقلية دينية. ومن المهم أيضا القول، أن القوى السياسية الكبرى، بإستثناء حزب الشعب السويسري اليميني المتطرف، اصيبت بصدمة لنتيجة الأستفتاء وادانته.
كل هذا لا ينفي أن ما حدث يعد تمييزاً واضحاً ضد أقلية دينية، هي أقلية مسلمة هذه المرة. فلو أن الحظر استهدف كل الرموز الدينية لكل الأديان، ما كنت سأنزعج. لكنه هنا استهدف اقلية واحدة، ولذلك كان تمييزاً.
حدثٌ مذهل، لأننا ببساطة لم نتوقعه.
توقعنا ان تأتي النتيجة متقاربة، ولكن برفض يتماشي مع العقلانية السويسرية وتسامحها.
لكن هذا لم يحدث.
ما حدث هو ان اليمين المتطرف نجح في إثارة مخاوف الشعب السويسري بصورة دفعته إلى إتخاذ قرار يتناقض مع مباديء الدولة التي ينتمي إليها.
الخوف مم؟ تتساءلون؟
خلط اليمين المتطرف بين قضايا ثلاث جمعها في سلة واحدة رمز لها بالمآذن.
الخوف من إسلام سياسي إصولي متطرف، سيكون من الغباء القول إنه غير متواجد.
والخوف من عادات وممارسات تنتهك حقوق المرأة تتواجد لدى شريحة من المهاجرين من بلدان إسلامية، على رأسها إكراة الفتيات على الزواج، عادة الختان، ومنع الفتيات من المشاركة في بعض الصفوف الدراسية، خاصة السباحة ومادة الثقافة الجنسية، بحجة الخصوصية الثقافية.
والخوف من عولمة غيرت من التركيبة السكانية لسويسرا في وتيرة تنقطع معها الأنفاس. عشرون في المائة من السكان اليوم هم من الأجانب والمهاجرين.
الخوف. ممزوجاً. لا يفرق بين مشكلة إسلام سياسي تجب مواجهته، ومشاكل إندماج تجب معالجتها بصرامة، وتغيير أصاب العالم بأسرة، فسويسرا ليست جزيرة منعزلة عنه.
لعب اليمين المتطرف على هذه المخاوف جيداً، وبصورة خلط فيها بين الأوراق ففزعت اغلبية، وصوتت كما صوتت. ياللخيبة.
-----
لكن بعض رموز الجالية المسلمة ساعدت اليمين المتطرف كثيراًُ في تغذية هذه المخاوف، بسبب بعض مواقفها.
تصرفت كما لو كانت ضيفة في هذا المجتمع.
اعتبر بعض زعماء الجالية المسلمة، او على الأقل من يقولون إنهم يتحدثون بإسمها، ان المبادرة الداعية إلى حظر المآذن شأن سياسي، وأنهم لذلك كجماعة دينية لن يتدخلوا فيها!
كانهم يعيشون في المريخ، ولاعلاقة لهم بالموضوع.
كما لم يأخذوا هذه المخاوف بعين الجدية.
إثنان من ابرز قادتهم أصرا على أنه على حد علمهما لا وجود لإسلام سياسي متطرف في سويسرا! حقاً؟
يقولان ذلك رغم أن تقارير مخابراتية وصحافية أظهرت العكس. نعم هناك وجود لإسلام متطرف، لكنه يظل محصوراً في أقلية. إنكار وجوده لن يساهم إلا في تغذية المخاوف. لأن الكذب يظل كذباً. حتى لو كان هدفه تحسين صورة جالية.
أتساءل، لم يصعب علينا أخذ موقفاً حاسماً رافضاً للحركات الإسلامية السياسية الإصولية، ويدين أهدافها؟ يرفضها دون أن يضيف جملة : "نعم نحن ضدها، ولكن..".
سؤال يتوجب عليهم الإجابة عليه.
الخوف الأعمق والأهم في رأيي ليس فقط من الأصولية المتطرفة، بل من تغيير مجتمعي لا يتفق مع مباديء هذا المجتمع وقيمه.
فالقشة التي قصمت ظهر البعير كانت في الموقف الذي اتخذه بعض هؤلاء تجاه رأي عبر عنه اكاديمي سويسري في بدايات هذا العام، أقترح فيه السماح للمسلمين بتطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية في قوانينهم العائلية.
بدلاً من أن يأخذ هؤلاء موقفاً حاسماً واضحاً لا لبس فيه ضد هذا المقترح، عبر البعض عن إرتياحه للموضوع، وأخر اعتبر ان الوقت غير مناسب لطرحه، ليترك المجال مفتوحاً للتساؤل عما إذا كان يرغب في طرحه في المستقبل.
وكان من الضروري لنا نحن النساء المهاجرات القادمات من دول إسلامية أن نأخذ موقفاً حازماً يدين هذا التوجه ويبرز كيف سيؤدي إلى إنتهاكه لحقوق المرأة.
هل نهرب من جحيم كي ندخل في جحيم اخر بمحض إرادتنا؟
هذا الموضوع في رأيي كان القشة التي قسمت ظهر البعير.
هذه القشة هي التي تفسر أن نسبة كبيرة من المصوتين ضد المآذن كن من النساء السويسريات. فالسويسريات عانين كثيراً هنا كي يصلن إلى الحقوق التي وصلن إليها، لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لهن. وقد كافحن كثيرا حتى حصلن على حق التصويت، و تمكن من تغيير قانون عائلي عام 1988 كان يعطي للرجل الحق في السماح لزوجته بالعمل، وتقرير مكان إقامة أسرته.
وهن لسن على أستعداد للقبول بقوانين عائلية تعيد الساعة إلى الوراء، وتمحي تلك الحقوق التي اكتسبنها حتى لو كان الأمر لا يعنيهن.
ففي النهاية، التمييز إذا حدث سيحط على رأس النساء المهاجرات من دول إسلامية.
هناك خوف عميق لدى شرائح واسعة هنا في سويسرا. وخوفها الأكبر هو أن هؤلاء الذين يتحدثون بإسم الجالية الإسلامية، لديهم اجندة خفية، ويسعون لتغيير قوانين البلاد خطوة خطوة.
إلى يومنا هذا، لم يقف هؤلاء الذين يزعمون التحدث بإسم الجالية الإسلامية ويعلنون بوضوح رفضهم لتطبيق أي جانب من جوانب الشريعة الإسلامية، أوالإقرار بإنتهاكها لحقوق الإنسان والمرأة.
الخوف لن يزول إلا إذا تحدثنا بصدق، وأظهرنا وجوهنا كما هي. عساها تكون فعلاً كما يقولون.
لن يزول إلا إذا اقررنا أن هناك مشاكل جوهرية وحقيقية.
لا يسعنا ان ندفن رؤوسنا في الرمال ونقول الزواج بالأكراه لا يحدث في جاليتنا. 17 ألف حالة زواج قسري حدثت في سويسرا، وأغلبية كبيرة منها حدثت لدى مهاجرين من دول إسلامية. أن تحدث حالات زواج قهري لدى مهاجرين من أديان اخرى لا يعفينا من النظر إلى المشكلة والتعامل معها بجدية.
تماماً كما لا يسعنا تجاهل أن نسبة كبيرة من حوادث العنف يرتكبها شباب من الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين المسلمين. شباب ضائع بين عالمين، عائلاتهم تصر عليهم أن لا يندمجوا في مجتمعهم الجديد، تقول لهم أن يرفضوا ثقافته، ثم تفرض عليه عنفاً من نوع أخر، عندما تصر على تزويجه، شاباً كان أو شابة، غصباً عنه. وبعضنا يحيا في هذا البلد، في مجتمعات موازية، ينظر إليه على انه غريب، يتندر عليه وعلى ثقافته، وينظر إليه بعلو وتكبر. وأظن أن بعضنا من العرب يفهم ما أقوله جيداً.
هذه مشاكل موجودة.
إنكارها، ووصف من يطرحها على النقاش بأنه مصاب بالإسلامفوبيا لن يؤدي إلا إلى تعميق المخاوف الموجودة لدى شريحة كبيرة من الشعب السويسري.
مخاوف لم ندرك مدى عمقها إلا عندما جمع اليمين المتطرف كل هذه المشاكل ورماها في سلة واحدة، رمز لها بالمآذنة، وصوت عليها الشعب السويسري يوم الأحد الماضي.
-----
أقول هذا رغم أني متألمة؛
من نجاح هذا اليمين المتطرف من إستثمار هذا الخوف لدى قطاع واسع لدى الشعب السويسري.
و من أن هذا البلد الأمن الطيب، الذي حمل ولازال يحمل راية حماية حقوق الإنسان بجدارة، مُررت فيه مبادرة شعبية ستؤدي إلى تمييز ضد أقلية دينية.
لكنه كان درساً.
ذكرني بما آمنت به دوماً.
حقوق الإنسان عالمية.
ليست مرتبطة بثقافة دون أخرى.
هدفها حماية الإنسان من ضعف هذا الإنسان.
وهي ملزمة للدول العربية تماما كما انها ملزمة لسويسرا.
هنا أو هناك. لافرق.
إلهام مانع
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)